قضايا المجتمع

أعبية السويداء من الجريمة الفردية إلى تجريم المجتمع

“ألقي القبض، في بلدة ملح بالريف الجنوبي للسويداء، على (علاء أيمن نكد) من قرية سهوة بلاطة و(نبراس بلان) من بلدة ملح ظهر، في 21 أيار/ مايو 2017، بعد حصارهما في منزل بقرية ملح، والاشتباك معهما من قِبل مجموعة مسلحة (مفوّضة) من وجهاء الجبل، بالقبض عليهما. حسب مراسل موقع (Swaida Khabar).

لست ضد أن تقوم مجالس محلية وهيئات شعبية، تتمتع بصلاحيات إدارية واسعة، في السويداء أو في غيرها، بدورها في تصريف شؤون المجتمع المحلي الخدماتية والمهنية وبعض المهام الأمنية، لضبط السلوك الاجتماعي للأفراد، لينعكس إيجابًا على أمن المجتمع وسلامته وتجنيبه الانزلاق في سلوك، يخالف أخلاقياته ويقلق أمنه واستقراره، وإذا كانت الظروف السيئة سائدة منذ ست سنوات -اجتماعيًا واقتصاديًا وأمنيًا وأخلاقيًا- في سوريتنا الحبيبة والسويداء في الجزء الأقل منها، فهذا لا يبرر شذوذ الأفراد ولا يسقط مسؤولياتهم عن جرائمهم، إلا أنه دفع واقعيًا، إلى بروز مزيد من الفوضى والمخالفات والتعديات والجرائم المبرمجة والعشوائية على حدّ سواء، وقد تفاقمت هذه المخالفات والجرائم، في ظل هذا الواقع المزري؛ مما دفع بالواجهات الاجتماعية والدينية إلى محاولة الوقوف في وجهها ومعالجة أسبابها ومحاولة تفادي وقوعها، ولكن أحداثًا دراماتيكية حدثت مؤخرًا في السويداء، تعدّ في نظري مؤشرًا خطيرًا، على غياب الدولة ومؤسساتها الإدارية والقضائية، وهي غائبة أصلًا -أفقًا وعمقًا- إلا عن كل ما يحقق لها أمنها، لتنام كما تعودت، على مخدات ريش فسادها واستبدادها، بلا إزعاج ولا مزعجين، في ظلّ ابتلاعها للمجتمع المدني، ومحاولة تصديرها لوجهاء محليين كـ (أبو عساف) الذي أعلن عن زعامته بعباءة صفراء مذهبة، من قبل “شبيحة” إيران وحلفائها، ولُقّب بـ (شيخ مشايخ الجبل) وكذلك جولة الصهيوني مندي الصفدي في أوروبا، بهدف تشكيل كيان درزي وأحداث أخرى متفرقة، تدلّ دلالة واضحة على حالة التردي والتشوه العامة. في ظلّ هذا الفلتان الأمني جاء اختطاف امرأة في السويداء بتاريخ 21 أيار/ مايو 2017، وكان على المجرم أن يُحاسب وفقًا للقوانين والتشريعات النافذة، من دون إسقاط الطابع الأخلاقي القيمي لهذه المحاسبة.

الأجدر بالمحاسبة هو عقل القبيلة (مجتمع ما قبل الدولة)، ممثلًا بواجهات اجتماعية، يقودها غضبها وهياجها الغريزي، لتقتنص فرصتها المناسبة؛ فتتولى مهمة إرسال قوة مسلحة (مفوّضة) من قبلها، ثمّ تمضي إلى إجراءات المحاكمة، وتصدر حكمًا ارتجاليًا بالإعدام، بحق المختطفين في الساحة العامة في دار (الأمارة) وعلى الملأ، وفقًا لما نقله موقع  (SWAIDA KHBAR) الذي أضاف حينذاك “أن اجتماعًا ما زال قائمًا لوجهاء الجبل في دار الإمارة، ببلدة عرى بحضور شيخَي العقل: حمود الحناوي، ويوسف جربوع وكلف مجموعة مسلحة بإلقاء القبض على المتهمين وجلبهم إلى بلدة عرى. حيث صرح الأمير جهاد الأطرش، حسب أحد الحضور، بأنه محاكمة شعبية عاجلة للمتهمين ستجرى أمام الحضور، بعد حصوله على تفويضٍ، من مشايخ العقل ووجهاء الجبل، وستنزل بهم عقوبة الإعدام الميداني في دار الإمارة ببلدة عرى، وهدد متوعدًا أنّ أي جهة أو فصيل يقف في وجه هذا القرار، سيُعدّ شريكًا ومتورطًا في عمليات الخطف، وخاصة خطف ممرضة التخدير (سماح قطيش) التي فوضته عائلتها بمتابعة قضيتها واتخاذ القرار المناسب،  فيما رفض وجهاء الجبل تسليم الموقوفين للقضاء والجهات الحكومية، وقرروا محاكمتهم على الملأ، متوعدين بإنزال أقصى العقوبات بكل من تسول له نفسه الاعتداء على كرامة الجبل وأبنائه”.

ما لم ينتبه له هؤلاء الغيورون على كرامة الجبل وأخلاقياته -إذا صحّ الخبر- أنّ مخاطر حقيقية تنذر بالانزلاق في اتجاه تأسيس ما يشبه كانتونًا خاصًا، له حكامه المفوضون، من لا أحد سوى أنفسهم طبعًا، ليقودوا المحافظة بإصرار وتحت جناح الغيرة الملتبسة والخصوصية المدعاة، من الجريمة الفردية الواضحة إلى جريمة مجتمع، عبر استجراره وإعادة إخضاعه إلى رموز منقرضة، تتولى تنفيذ الحكم في (دار الإمارة) وبتفويض (أميرها جهاد) بذلك، وإن دلّ هذا الأمر على شيء، فهو يدلّ على عمل مبرمج لإيقاظ عنجهية القبيلة وغرائزية قراراتها من جديد، عبر إعادة (دار عرى) وأميرها الوارث إلى الواجهة، بعد أن غابت هذه الدار واقعيًا، منذ ألغيت دولة جبل الدروز، واندمجت المحافظة بالدولة الوطنية السورية، واضمحل ما تبقى لها من حضور معنوي، منذ وفاة أميرها الأول والأخير حسن الأطرش، عام 1977 ولم يعد لها ما يميزها، لا في أشخاص الوارثين ولا في أدوارهم المعنوية، بل غدت خلف ظهر الجميع، ومن المعلوم أنّ هناك شخصيات جبلية كثيرة، كانت -وما زالت- أكثر أهمية وحظوة واحترامًا منهم، في معالجة مشكلات المجتمع الجبلي التقليدية، وستثيرهم مثل هذه القرارات المرتجلة والمخطوفة في غيابهم أيضًا.

أما في حال نُفذ الاتفاق (القرار) فثمة محذورات، لما قد يترتب عليه من عواقب، وجب التحذير منها، وأهمها:

  • أن يتحمّل اثنان من شيوخ العقل وواجهات اجتماعية أخرى مسؤولية التفويض بإعدام المجرمين، يُعدّ بادرة ستجرّ خلفها كثيرًا من القضايا المتجددة، في ظل الفلتان الأمني والفوضى وعبث الأجهزة الأمنية والمخربين من كل جهة وصوب.
  • تمهد مثل هذه الإجراءات لإعادة الاصطفاف القبلي والتناحرات بين العائلات الجبلية، وتثير كثيرًا من الحساسيات التي تقف على حافة الانزلاق، في هاوية التقاتل والخصومة والشقاق، ويمكن بدلًا من ذلك إيجاد هيئة قضائية، من قضاة ومحامين ثقاة من داخل المحافظة ومن خارجها، لتنظر بالقضية المطروحة، ثم تصدر حكمًا قضائيًا وفقًا للقوانين والأنظمة المعمول بها، ويوكل أمر تنفيذها إلى جهات صاحبة صلاحية أو متوافق عليها، كي لا تؤدي إلى احتقانات وبؤر توتر، تتفرع منها وتتشعب عنها مشكلات لا تنتهي!
  • ليس من حقّ أهل المرأة التي اختطفت أن يفوضوا هيئات غير قضائية ولا قانونية بالوصول إلى حقهم، لأن هذا الحق بات حقًا اجتماعيًا، والقضاء هو وحده الضامن لحق الجميع، وهو الذي يقوم بالنيابة عن الجميع بإصدار الحكم، والحكم -كما هو معروف- يصدر معززًا باسم الشعب السوري!
  • إني أعوّل على أهلنا الكرام، بأن ينتبهوا إلى خطورة إيقاظ عقل العشيرة وغرائزها المكبوتة، أو أن يؤسسوا ما يشبه المحاكم الشرعية، كالتي أسستها في العديد من المحافظات السورية فصائل عسكرية معارضة، علمًا أن تلك المحاكم الشرعية، تحكم بموجب قوانين مرعية (غير مدنية) وآليات تحكم (خاصة) لسنا في صدد مناقشتها!
  • إنّ تلك الواجهات والزعامات التي فشلت تاريخيًا في إحياء دورها، وتعتقد أنّ هذه فرصتها لإعادة الاعتبار لها، لم يبق منها سوى أعبيّة وأكتاف صالحة للهزّ، وهي أبعد ما تكون لمثل هذه الأدوار الخطرة، ليحاكموا ويحكموا وينفذوا، من دون التفات إلى ماضيهم المكشوف للجميع، وهذه كبرى المصائب!

إنّ تخويل هذه المرجعية غير الرسمية والفاقدة للشرعية الشعبية، بإصدار الحكم وتنفيذه، سينقلنا من الجريمة بمفهومها الفردي، إلى تجريم المجتمع، عبر تسييره وتجييشه خلف غرائزية بعيدة كل البعد عن العقلانية المطلوبة والمسؤولة، وفقًا لظرفها الموضوعي، فكيف للضمائر أن تتحمل مسؤولية إصدار أحكام، لا تستند إلا إلى الغرائز والاندفاع اللاعقلاني، ليقولوا للجميع نحن مستقبلكم، فاتبعونا!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق