أدب وفنون

مرثيات العاشق بلون الدم

[av_gallery ids=’84411,84412,84413,84414,84415,84416,84417′ style=’thumbnails’ preview_size=’portfolio’ crop_big_preview_thumbnail=’avia-gallery-big-crop-thumb’ thumb_size=’portfolio’ columns=’5′ imagelink=’lightbox’ lazyload=’avia_lazyload’ custom_class=”]

ثلاثة إصدارات للشاعر الشاب رامي العاشق، ورابع بالألمانية، نُشرت خلال السنوات الست الماضية، حيث ترافقت ولادته الأدبية مع بزوغ فجر الثورة السورية. ما سبق كان مجرّد إرهاصات لموهبته الشعرية الكامنة التي نضجت في أتون الحرائق والموت، وأنين المعتقلات والمعتقلين. حروفه نابضة بالغناء، للحب والفرح والحرية، لكنها مصبوغة بلون الدم المتخثر، على وقع الحصار والتهجير، وغبار المقتلة.

رامي العاشق -ابن النكبتين السورية والفلسطينية- هو مثل “ديونيسيوس” المغني الدمشقي الجوّال. مسكونٌ بروح الشام التوّاقة للرقص والفرح والحرية، أراد أن يصدح بصوته العذب؛ فلاحقته آلهة الشر من مكان لآخر، تريد أن تخنق عشقه، لكن روح الشام عصيّة، وهي أقوى من أن تُخمد بنيران الشر، مهما بلغت المأساة.

بدأ العاشق الكتابة والنشر مع انطلاقة الثورة السورية 2011. كتب العديد من أغاني الثورة التي تناوب على غنائها مجموعة من الفنانين السوريين والعرب، بينهم الفنانة أصالة نصري. تعرض للاعتقال، على إثر مشاركته في التظاهرات السلمية ضد النظام السوري، في تموز 2011. بعد إطلاق سراحه، اضطُر للتخفي إلى أن استطاع مغادرة سورية، في أيار/ مايو 2012 إلى الأردن، حيث احتجزته السلطات الأردنية، ووضعته في منشأة الحجز “سايبر سيتي”، وهي سجن غير رسمي، خُصصّ لاحتجاز الفلسطينيين السوريين، لمنعهم من دخول الأردن. استطاع في أيلول 2012 الهرب من “سايبر سيتي”، والتخفّي في عمّان مدة عامين.

على الرغم من صعوبة التخفي، والخوف من الملاحقة، نشر خلال تلك الفترة مجموعته الشعرية الأولى “سيرًا على الأحلام”، دار الأيام، عمّان 2014. قارب في تلك المجموعة أحلامَ السوريين السلمية، السوريين الذين كسروا قوقعة العتمة، وخرجوا إلى الضوء فلاحقتهم آلة القتل الوحشية، كي تغتال هذا الحلم.

يقول:

“عبثًا يحاربك التلاشي،

فانتعل أكتافنا.

مهّد طريقك للخلود، وحنّط الأحلام

كن خدر الرحيل المشتهى

سأقصّ بعدك قصتي:

ودّعت أرضي،

كالشهيد بآخر الشهقات يفصله عن الترّحال.

زفرُ حنينه

من قال ظلمًا “لا يحبُّ حياتهُ”؟!

كلُّ الحكاية

أن ظرفًا طارئًا ناداه كي يلقي علينا من سماء نظرةً

ليعيد ترتيبَ الوجود بما يليقُ بعودته!”

حصل العاشق، بعد إصدار مجموعته الأولى، على منحة تفرّغ إبداعي للكتابة، من قبل مؤسسة “هاينرش بول” الألمانية، وبذلك تمكن من الوصول إلى ألمانيا، بحماية الحكومة الألمانية، كي يبدأ صفحة جديدة في سفر إبداعه وحياته.

ليس من السهل أن تفتح ألمانيا ذراعيها للقادم الجديد، إذا لم يكن لديه، ما يفرض احترامه، وحضوره بحنكة واقتدار. كالوتر المشدود، قبل العاشق التحدّي، واشتغل بروح جسورة على تأسيس صحيفة “أبواب” -أول صحيفة عربية مستقلة في ألمانيا- وذلك بالتعاون مع مجموعة من أصدقائه الشباب المتطوعين: سوريين وفلسطينيين، وأصبح رئيس تحريرها، موّل الصحيفة ناشر ألماني مغامر راقت له الفكرة، وجلب لها بعض الإعلانات.

فتحت “أبواب” الأبواب على مصراعيها للقادم الجديد الذي اشتغل ليل نهار مع أصدقائه، لكي تكون “أبواب” مجلة شهرية جادة، غير نمطية. تحتوي بضع صفحات بالألمانية، تطرح بجرأة قضايا سياسية وثقافية واجتماعية، تلامس هموم الثورة السورية، ومشاكل اللاجئين، وصعوبات الاندماج… على خط مواز راح العاشق، يكتب وينشر في العديد من الصحف والدوريات السورية والعربية والألمانية، وشارك في قراءات شعرية وأدبية، بما تُرجم من نتاجه إلى لغات عديدة كالإنكليزية، الألمانية، البوسنية، والهولندية، في كل من ألمانيا، وسويسرا، وإيطاليا، وشارك في مؤتمرات، وألقى محاضرات عن الاندماج، فوبيا المهاجرين، الأدب والصحافة، في كل من جامعة نيويورك في إيطاليا، ومؤتمر تاتز السنوي، مع مؤسسة “هاينرش بول” في ألمانيا. صُممّت قصيدته “ظل أحمد الغارق” على شكل جدارية في برلين، وبيعت كلماتها بشكل مفرد، وذهب ريعها إلى أطفال سورية، عن طريق منظمة “save the children”.

صدر للعاشق في العام 2016 عن دار المواطن في بيروت، نصوصه النثرية (مذ لم أمت)، التي كتبها بين عامي 2014– 2016، بعد حصوله على منحة التفرّغ. في العام 2017 صدرت له مجموعة (لابس تياب السفر). شعر بالمحكية وحصلت على إشادة وتوصية بالنشر، من لجنة تحكيم مسابقة الكاتب الشاب التي تنظمها مؤسسة عبد المحسن قطان، في رام الله.

كان لي شرف تقديمه –منذ أيام– أمام جمهور عربي وألماني، أثناء أمسيته الشعرية في مدينة “فايمر” مدينة الشاعرين: غوته وشيلر، التي نظمتها جمعية الجسر الثقافي الفلسطيني-الألماني، حيث قلت:

يكتب العاشق قصيدة التفعيلة الحديثة، والقصيدة المحكية، والنص الشعري النثري. أي يكتب ثلاثة أنواع أدبية، تختلف من حيث الشكل، وتلتقي في الجوهر.

صحيح أن الشعر يستحضر (أفكارًا)، أي صورًا من الذاكرة، وإلّا لكان مجرد أصوات حسب “مالارميه”، وأنه -أي الشعر- “يُكتب بالكلمات وليس بالأفكار”، ولأن للكلمات جانب ذاتي هو (الشعور)، وجانب موضوعي هو (الإدراك)، لذلك تثير الكلمة مضافة إلى الفكرة إشراقًا عاطفيًا، من النوع الذي يجعل الشعر فن الكلمة (المغايرة)، بالتالي يتحقق عبر الأفكار والإيقاع بوصفه لغةً ثانية.

أول ما نلاحظه في قصيدة العاشق هو عنصر الإدهاش، النابع من شغله المتأني على نصّه، حيث تتضافر عدة عناصر مع بعضها، كي تفضي إلى تلك اللمعة المدهشة في منتجه الإبداعي. تلك العناصر هي:

  • الحساسية الشعرية المرهفة.
  • الالتقاط الذكي للحظة الشعرية المفعمة بالإشارات الدلالية، والحس، والعاطفة، والأفكار.
  • موهبته في اللعب على الكلام، لتوليد معنى جديد.
  • صياغته للغة بانسيابية متدفقة، تتشكّل من خلالها صور شعرية ومجازات تحمل دلالات متفردة.
  • ثمة موسيقا وإيقاع في نصوصه. تبدأ بمطلع ينساب هادئًا، ثم يتصاعد إلى أن يصل الذروة الدرامية، وينتهي بالقفلة الخاطفة.

ثمة أمثلة كثيرة في نصوصه تؤكد ما ذهبت إليه، لكن المجال لا يتسع للوقوف عندها، لذلك أكتفي بالإشارة إلى دلالات عناوين إصداراته: سيرًا على الأحلام. مذ لم أمت. لابس تياب السفر.

مجرد التأمّل في تلك العناوين، يفتح أمام المتلقي ما يسمّى بـ (أفق انتظار)، محمولًا على عنصر التشويق، والفضول، والرغبة في الاكتشاف، إذ كيف للمرء “السير على أحلامه”؟! وماذا يضمر الشاعر من بُعدٍ زماني ومكاني من خلف عنوانه: “مذ لم أمت”؟! الأمر الذي يطرح السؤال: ما الذي حصل معه، وفي أي برزخ كان؟! إلى أي حدّ كان قريبًا من الموت الذي –ربما– نجا منه؟! ثم لماذا يلبس تياب السفر، وأي سفر هذا الذي يرنو إليه؟!

أيّ فجيعة، أو دراما إنسانية، أو حب مجهض، أو موت، أو فرح، أو هزيمة، أو انتصار، أو ألم، أو مشاعر متوترة تكمن خلف تلك الأسئلة المضمرة؟!

 

مقالات ذات صلة

إغلاق