مقالات الرأي

أنا لست مع الدراما القاتلة

“صوّرني بس احترم مصيبتي” بهذه البساطة وذلك الاختصار، كتبها عبد الوهاب ابن مضايا اللاجئ أو النازح، وربما الأصح والأكثر دقة، المُهجّر من مدينته، والمقيم حاليًا في إدلب.

“أنا مالي شحاد خالتو.. أنا بدي قلك أنك نسيتي جزدانك بالمحل”، نهاية لمشهد في عمل درامي خليجي، والجملة على لسان طفل سوري، يلحق بامرأة فتعتقد أنه متسول، وبعد أن تنهره وتعطيه محاضرة في حسن السلوك لأنه لاجئ سوري “بالضرورة متسول”، تكتشف أن الطفل ليس متسولًا، وإنما يحاول مساعدتها.

“جهلة، متخلفين، مو لابقلكن أوروبا”، كلمات مبعثرة نجدها مجتمعة أحيانًا، ومتفرقة أحيانًا أخرى، لدى أشخاص يكتبون على صفحاتهم الشخصية أنهم أدباء أو شعراء، أو أي صفة أخرى تعطي انطباع المثقف، وبالضرورة هم لاجئون، ولكنهم من اللاجئين الذين يحملون تصنيف “الخمس نجوم”، والتصنيف الذي هم ادّعوه، ولم يمنحهم إياه أحد، يمنحهم -برأيهم- حق تصنيف باقي اللاجئين “الشراشيح” الذين لم يندمجوا بالمجتمع الأوروبي إلى الدرجة التي يرونها أصحاب النجوم الخمسة مناسبة.

(أنا_مع_الدراما_السورية) هاشتاغ، أطلقته مؤيدة لنظام الأسد أولًا، وتعمل في مجال التمثيل “شكران مرتجى”، احتجاجًا على عدم قدرة بعض الأعمال الدرامية السورية على تسويق نفسها، وبالتالي كساد بعض المسلسلات، والتي أنتجتها -بالضرورة- شركات خاصة مؤيدة لنظام الأسد القاتل، وصُوّر معظمها داخل سورية “الأسد”، ولقي الهاشتاغ ترحيبًا واسعًا من طبقة الفنانين أولًا، ومن باقي طبقات الشعب السوري، ويبدو أن السوريين ما يزالون يتعاملون بعاطفية مع دراما، تتحدث عن القتل السوري على أنه حق، وتظهر الثورة السورية بالصورة “الداعشية”.

“يلي قاعد بالخيمة شو بتعنيلو الدراما؟!! يلي علقان بين الجزائر والمغرب شو بتعنيلو الدراما؟!! يلي فقد عزيز بهالسبع سنين شو بتعنيلو الدراما؟؟ ما بتحسو أنو كتير ترف يلي عم ينحكا عن الدراما؟”

“إنو إذا الخليجي اشترى مسلسلات سورية وعرضها بمحطاتو الفضائية الجميلة بيكون منيح وإذا ما اشترى بيكون مشارك بسفك الدم السوري؟ بعدين مشان مين زعلانين. مشان يلي عم يطلعو يخونو الناس ويوقفو مع القاتل؟”.

“هل تعلم أن ابن عبد الحليم خدام من أبرز صناع الدراما؟ هل تعلم أن ماهر الأسد من أهم صناع الدراما؟ هل تعلم أن ابن بهجت سليمان كان صاحب دكانة مهرجان (أدونيا) الذي كان يوزع شهادات حسن سير وسلوك درامي؟ هل تعلم، عزيزي المشاهد السوري، أن أول من كان عليهم الاعتماد، لتبرير وحشية النظام الأسدي هم الممثلون المؤيدون للطاغية”، أيضًا بهذه البساطة وهذا الاختصار كتب صديق سوري “جهاد” رأيه بهاشتاغ (أنا_مع_الدراما_السورية)، فعن أي دراما يتباكى الكثيرون لعدم عرضها، وإن كان السوري يُصوّر السوري باعتباره الوحش والداعشي والمجرم، فلمَ العتب على منتجين يحملون كل الجنسيات إلا السورية، عندما يرون في اللاجئ السوري داعشيًا أو سارقًا وفي أحسن الأحوال متسولًا.

لا يبتعد العديد من المنظمات الإنسانية والناشطين المحسوبين على الفصائل المقاتلة كثيرًا عن أي مثال تكلمنا عنه؛ فالمنظمات ترفض توزيع الإعانات من دون كاميرا، ومن دون تعبير المتسول المهان، فهم أيضًا يريدون صورة فوتوغرافية للألم، لكي تظهر شجاعة كرمهم، على الرغم من سهولة توثيق التوزيع دون الحاجة لأن يأخذ اللاجئ “بوز” المتسول والمهان (راجع الفقرة الأولى بكلام عبد الوهاب).

اللاجئ السوري ليس بالضرورة متسولًا وبلا كرامة، فكل العالم يعرف أنه لولا نار النظام ومدفعيته والكيماوي الذي ضرب بها شعبه، لما ترك ذلك اللاجئ أرضه ورزقه وبيته وأقام في خيمة، لا ترد عنه برد الشتاء ولا شمس الصيف، ولما عمل الطفل السوري في المحلات بدلًا من ارتياده المدرسة (راجع الفقرة الثانية حول المسلسل الخليجي).

“الشراشيح” الذين وصلوا إلى أوروبا، باعوا كل ما يملكون وركبوا البحر وشارفوا على الغرق، وقطعوا أوروبا طولًا وعرضًا مشيًا على الأقدام، وعانى أطفالهم من تجارب لن تتركهم آثارها مدى حياتهم.

“الشراشيح” الذين وصلوا أوروبا، ويعرّفون أنفسهم بأنهم مسلمون، يحترمهم الأوروبيون أكثر من ذلك المنسلخ عن مجتمعه؛ مجتمعه وناسه “الشراشيح” الذين خرجوا بثورة، لم يشهد التاريخ مثلها، من حيث عدد القوى الدولية والوسائل الإعلامية التي حاربتها من داخلها وخارجها؛ وأكثر من المتبرئ من لاجئ يحاول أن يتعلم وأن يتغلغل في مجتمع غريب عنه تمامًا، وللحالتين استثناءات طبعًا (راجع صفحات شعراء وأدباء ومثقفين اندمجوا حد الثمالة بالمجتمع الغربي).

لا يوجد فنّ للفنّ، ولا أدب للأدب، ولا ثقافة للثقافة، والفنان الأديب المثقف الذي يقول عكس ذلك، إنما يمارس نرجسيته على الناس، مثل أي ديكتاتور؛ السوريون ليسوا بحاجة “لأدونيسيين” يتعالون على الناس، ولا لأصوات عالية بشعر الحماسة العربية وكليشيهات إعلام الأسد، حتى لو شتموا الأسد، ولا لعمائم تُعلّمهم دينهم، وتفرقهم طوائفًا وشيعًا، هم بحاجة إلى من يفهمهم كما فهم مثقفو أوروبا شعوبهم، فانتشلوهم من نيران حرب قتلت 40 مليونًا.

هاشتاغ (أنا_لست_مع_الدراما_القاتلة) لأن الدراما القاتلة تسرق الحرية بسرقة العقل والوعي في وضح النهار، وتحول الحقائق، وتزوّر التاريخ، وإن كان نظام الأسد اعتاد على “تعفيش” المدن والبلدات التي يهجّر أصحابها منها، فإن دراما الأسد اليوم “تعفش” الثورة بما فيها، فتُظهرنا بمظهر القاتل، وتعطي القاتلَ صكَّ براءة.

لا أريد دراما على نهج ما عودونا عليه في العالم العربي، تمجيد من نحب وشيطنة من نكره؛ لا أريد دراما تنكر مشكلاتنا وعيوبنا، ولا حتى جرائم بعضنا؛ لا أريد دراما تضع مكياجًا يصوّر المؤيد مثل أبي لهب، والمعارض مثل عمار بن ياسر، أريد أن أرى ماذا فعل الأسد في الإنسان؛ لا أريد دراما تحولنا إما إلى داعشي همجي أو متسول مهان، وبالتالي تجعل ربطة عنق بشار وفستان زوجته الأنيق هما النقيض البديل، فما تحت عمامة البغدادي والجولاني، وما بداخل ربطة عنق بشار وعمامة نصر الله هو الجوهر نفسه القاتل للإنسان والفن والثقافة.

فنانون كثر، وأدباء ومثقفون دفعوا الثمن لأنهم قالوا “لا” للأسد، و”نعم” للناس؛ لكن ماكينة الإعلام والمال ودكاكين التعارض تريد دراما (باب الحارة) لتكمل صريخها المستمر ضد الأسد، لكن بمنهجية الأسد. أريد دراما تسير بنا بدموع، بحزن، لكن بأمل ووعي.

مقالات ذات صلة

إغلاق