ترجمات

واشنطن بوست: المعركة الأكثر دموية في سورية لم تأت بعد. مليون مدني في حالة خطر

تستفسر امرأة سورية عن إمكانية فتح معبر حدودي تركي مغلق، شباط/ فبراير. كثيرون من الذين يحاولون الهرب من سورية علقوا هناك. (ليفتيريس بيتاراكيس/ أسوشيتد برس)

الناس الذين فرّوا من القتال جاؤوا من كل أرجاء سورية إلى هنا، ولكنهم لم يتمكنوا من دفع أجور المهربين للذهاب إلى مكانٍ أبعد. يوجد الآن ما يقرب من مليون شخص محاصرين في المحافظة الواقعة في شمال غرب سورية، ويتطلعون بذعرٍ، وخوف، وقلق إلى وقف إطلاق النار الذي بدأ منذ أسابيع.

لقد أصبح هذا المدى الواسع والجبلي في معظمه، على امتداد الحدود الجنوبية لتركيا، الملجأ الأخير للمتمردين. في الأشهر المقبلة، يمكن أنْ يبدأ التحدي الأكثر صرامة -وربّما الأكثر دمويةٍ- لقوات الرئيس السوري بشار الأسد في معركتهم للسيطرة على المناطق التي خسروها أمام المقاتلين المتمردين، بعد انتفاضة البلاد عام 2011.

يُذكر أنَّ اتفاقًا، توسطت فيه كلّ من روسيا وتركيا وإيران هذا الشهر، أوقف كثيرًا من أعمال العنف في محافظة إدلب، وثلاث مناطق أخرى في سورية. ولكن إذا انهارت الهدنة، واستؤنف القتال؛ فإنَّ المخاطر ستكون الأكبر في الشمال الغربي، حيث تخضع الحدود التركية لرقابةٍ مشدّدة، والقوات الموالية للحكومة صارت قريبةً منذ أشهر. وفي جميع أنحاء المحافظة، لن يكون هناك سوى تحالف من المتمردين المرتبطين بالقاعدة متمركزين بحزمٍ في مواجهة الأسد، بينما مئات الآلاف من المدنيين عالقون في الوسط.

من خيمته، في مخيم نزوحٍ مكتظ على طول الحدود التركية، وفي الأيام التي سبقت الصفقة أو الاتفاق، دعا قاسم قدور أطفاله ألا يبتعدوا عنه؛ لأنَّ طائرةً من دون طيار تحوم فوقهم. وعندما رمت حمولتها، قال: إنهم كانوا يركضون نحو المخبأ، متغاضين عن النيران التي قصفت ممتلكاتهم المكدّسة بدقة، ودمرت الملجأ الأخير المتبقي لعشرات الأسر مثلهم تمامًا. وقال قدور -في مقابلةٍ هاتفية- بعد الهجوم: “جئنا إلى هنا لأنه لم يبق أمامنا مكان نذهب إليه”، وكانت عائلته قد هُجّرت من ديارها تسع مراتٍ، منذ بداية الصراع السوري، قبل وصولهم إلى المخيم، وقال قدور: “إنَّ الحدود مغلقةٌ، والنظام آتٍ”.

يُذكر أنَّ الحرب التي ما زالت مستمرةً لسبع سنوات شردّت أكثر من 5 ملايين لاجئ في كل العالم. وفي داخل سورية، هناك عددٌ أكبر من الناس يريدون المغادرة، لكنهم محاصرون. وقد عمدت تركيا ولبنان والأردن، الدول التي استقبلت اللاجئين في وقت سابق، إلى إغلاق حدودها في الغالب، أما العبور نحو الشرق باتجاه العراق فهو رحلةٌ محفوفة بالمخاطر عبر أراضي الدولة الإسلامية؛ لذلك يعيش النازحون في ازدحامٍ دائم، يفعلون كل ما في وسعهم لتجاوز العنف، ويرتبون نفقاتهم عند وصولهم، إلى وجهتهم التالية.

في الوقت الذي تقترب فيه الحرب السورية، بين القوات الموالية للحكومة والمتمردين، من نهايتها، أصبحت إدلب أرضًا لرمي المسلحين الذين رفضوا الاستسلام للحكومة في أماكن أخرى من البلاد.

لقد ازداد عدد سكان المحافظة نتيجة الصفقات، أو الاتفاقات مع حكومة الأسد، حيث نُقل المدنيون والمقاتلون شمالًا من المناطق التي كان يسيطر عليها المتمردون، في جميع أنحاء سورية، وخضعت تلك المناطق إلى سيطرة الحكومة في الأشهر الأخيرة.

يقول السكان: إنَّ الوافدين الجدد مكدسون في هذه البقعة الأخيرة، فالمباني السكنية مليئة، والإيجارات مرتفعة جدًا. لذلك تعيش العديد من العائلات في خيام، ومنازل طينية أو حتى في كهوف.

يُدير مدارسَ المحافظة ومستشفياتها ومرافقها خليطٌ من جماعات المتمردين، والمجالس المحلية المدعومة من المعارضة. لكن المحللين والدبلوماسيين يقولون إنّ القوة المتصاعدة عبر المحافظة هي “حركة تحرير الشام” المرتبطة بالقاعدة.

سام هيلر -وهو زميلٌ في مؤسسة سينتوري، ومقرها واشنطن- قال: “إنهم لا يخجلون من استغلال نفوذهم، وممارسة القوة والإكراه ضد الفصائل الأخرى، لا أعتقد أنَّ هناك أي فصيل آخر، يمكنه أن يكون مستعدًا لتحدي وإبطال هذه الهيمنة”.

تُظهر مقاطع فيديو، بثتها قناة “الآن” التلفزيونية (مقرّها في دبي) الأسبوعَ الماضي، تُظهر مقاتلين من مجموعاتٍ مرتبطة بتنظيم القاعدة، يسيطرون على نقاط تفتيشٍ على الطرق الرئيسية، إضافة إلى الشاحنات التي تنقل السجناء إلى المحاكم الشرعية، والسجون السرية. وهناك أيضًا تقاريرٌ متكررة، تفيد بأنَّ المجموعات اختطفت المساعدات المقدمة: “لقد وقعت عمليات خطفٍ وإخفاء. إنهم متطرفون هنا. لم نخسر إخواننا من أجل هذا المصير لسورية”، قال أحد المقاتلين المتمردين، طالبًا عدم الكشف عن اسمه خوفًا على حياته. وأضاف: “إنَّ البلد الذي كنا نكافح من أجله ليس ما وجدناه هنا”.

يصرُّ المسؤولون الأتراك على أنَّ بلادهم حافظت على سياسة “الباب المفتوح” في ما يتعلق بالمهاجرين السوريين طوال الحرب. لكن المدنيين يقولون لم تكن الحدود بمثل هذه الصعوبة، بحيث لا يمكن عبورها. وخوفًا من تسلل مقاتلي “الدولة الإسلامية”، شيدت حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سورًا اسمنتيًا، بارتفاع عشرة أقدام 3,5 م، بدلًا من الحدود الضعيفة.

تقول منظمات حقوق الإنسان، بما في ذلك منظمة العفو الدولية، و(هيومان رايتس ووتش): إنَّ حرس الحدود الأتراك قاموا بإطلاق النار على المدنيين الذين قُبضَ عليهم، وهم يعبرون بطريقةٍ غير قانونية، إضافةً إلى تعذيبهم. وبالنسبة إلى معظم الناس، فإنَّ المخرج الوحيد هو اللجوء إلى شبكة تهريبٍ بأسعار باهظة، أو إلى سيارة إسعاف في أعقاب أيّ هجوم.

ينتشر الجرحى في جميع أنحاء جنوب تركيا. في مدينة الريحانية، يتذكر البقال السابق، وعمره 23 عامًا، القليلَ بين الصاروخ الذي دمر منزله، الشهر الماضي، واللحظة التي استيقظ فيها وهو في مستشفى، حيث بُترت ساقاه. “لقد جئتَ إلى هنا لتسألني لماذا بقيتُ، ولكن ما هو الخيار لدي؟ لم يكن لدينا المال لنأتي قرب الحدود، وحتى لو كان لدينا، ما الفائدة من ذلك؟ كنا سنُحتجَز مرةً أخرى”، قال الرجل الذي عرّف عن اسمه: نضال.

إذا حاولت القوات الموالية للحكومة استعادة إدلب، فإنها ستواجه معركةً طاحنة، من شأنها أن تؤدي إلى خسائر فادحة، وخاصة بين المدنيين.

وقال هيلر: “إذا وقع الهجوم على إدلب، فإنّ المدنيين هم الذين سيكونون في مرمى النار، الجهاديون مجهزون لينتقلوا إلى حرب عصابات، وبمجرّد أن يبدأ القصف في الشمال الغربي، سيكون المدنيون معرضين للرعب والموت”.

اسم المقالة الأصليSyria’s bloodiest battle is yet to come — and 1 million civilians are at risk
الكاتبلويزا لافلك وزكريا زكريا، Louisa Loveluck and Zakaria Zakaria
مكان وتاريخ النشرواشنطن بوست، The Washington Post، 30/05/2017
رابط المقالةhttps://www.washingtonpost.com/world/middle_east/syrias-bloodiest-battle-is-yet-to-come–and-1-million-civilians-are-at-risk/2017/05/29/279a5c8c-3596-11e7-ab03-aa29f656f13e_story.html?utm_term=.1000597f7e2f
ترجمةأحمد عيشة

مقالات ذات صلة

إغلاق