مقالات الرأي

الحاضرُ المُغيَّب في تأويل الثورة السورية

لم يكن ينقص تأويلات الثورة السورية، بعد إلغاء صفتها كثورة شعب ضد طغمة مستبدة استملكت البلاد والعباد طوال نصف قرن، سوى تأويل الصراع على طرق نقل منتجات الطاقة بين منتجيها من العرب والإيرانيين والروس، كما حاول اعتماده جان لوك ميلانشون، المرشح الفرنسي الرئاسي السابق، الشعبوي الهوى والطريقة، عن يسار متهافت، وكذلك كما حاوله، من بعده، أحد منتجي برامج التلفزيون على القناة الثانية الفرنسية التي بثت قبل فترة برنامجًا يحمل عنوان: “الأسباب الحقيقية للحرب في سورية”.

الحرب في سورية؟

وحدها الثورة السورية لم تحظ بتوصيف “الثورة” هذا إلا من قِبل من فجروها من شباب سورية الذين كان الجميع يظن، لوهلة من التاريخ، أنهم في لهو عن دنيا الكرامة وكأنهم عنها معرضون. وبخلاف الثورات العربية الأخرى، في تونس ومصر وليبيا التي لم يتوان أحد خارج هذه البلدان العربية عن توصيفها بهذا القدر أو ذاك من “الثورية”: ثورة في نظر البعض، أو حراك ثوري في نظر البعض الآخر، فضلًا عن التوصيف الصحفي الذي تبناه العالم كله من أجلها خلال عدد من الشهور: الربيع العربي، بقيت الثورة السورية وحدها التي لم يبادر أحدٌ، سوى من قاموا بها، إلى توصيفها بالثورة، لا من قِبل البلدان العربية الأخرى، ولا من سواها من بقية البلدان في العالم.

كما لو أن العالم أراد منذ البداية حرمان حركة هؤلاء الشباب الذين غامروا بحياتهم -وقد دفع معظمهم في النهاية حياته قتلًا أو سجنًا أو تهجيرًا- في سبيل حريتهم وكرامتهم، من أي شرعية يمكن أن تنطوي عليها هذه الصفة.

وكان تنظيم الطغمة الأسدية أول من دشن عملية تحويل الأنظار عن حقيقة ما كان يجري قبل نيف وست سنوات في سورية. ذلك أنه أراد منذ البداية أن ينفي حتى إمكان وجود رفض لسياساته أو تمرد عليها. فقد زعم لنفسه احتكار “المقاومة” و”الممانعة” و”معاداة الصهيونية وإسرائيل” في العالم العربي. وادّعى أنه “العلماني” الوحيد الذي يحمي المسيحيين في سورية وسواهم من الأقليات. فكان أن وسم المتظاهرين بالمندسين، ومن يقف وراءهم بالأمراء السلفيين، وأطلق عقيرة أتباعه “الحداثيين” لا للتنديد بخروج المتظاهرين من المساجد فحسب، بل لاعتبار ذلك برهانًا على سلفيتهم ورجعيتهم. وحين تجاوز عدد المتظاهرين في حمص وحماة ودير الزور مئات الآلاف، لم يتوان عن اللجوء إلى الكذب الصراح واعتبارها مجسمات صممتها استوديوهات قناة الجزيرة؛ ثم انتقل إلى الحديث عن مؤامرة كونية ضده دبرتها أميركا وتنفذها دول الخليج، كي ينتهي به الأمر إلى الاستعانة بقوة إقليمية ممثلة في إيران وبقوة دولية ممثلة في روسيا اللتين احتلتا البلد أرضًا وسماء، وتشاركان في كل جرائم النظام بلا استثناء.

لكن النظام الأسدي الذي اختار الحلَّ الأمني والعنف طريقة للقضاء على هذه الثورة، اختار أيضًا الدخول في معركة إعلامية على الصعيد المحلي والعربي والدولي حين جنَّدَ في الوقت نفسه، لا أتباعه في لبنان الذين باتوا يحتلون باستمرار شاشات التلفزيون العربية والأجنبية لتأويل خطاب هذه الطغمة فحسب، بل استنفر أيضًا عددًا من وكالات الإعلام الغربية، مستأجرًا خدماتها لتجنيد كل من يرغب من الصحافيين الغربيين العاملين في وسائل الإعلام المكتوبة أو السمعية البصرية لتكذيب كل ما ينقل عن جرائم والمذابح التي ارتكبها النظام ومختلف الميليشيات التي هرعت لإنقاذه من إيران والعراق ولبنان.

معركتان تخوضهما الطغمة الأسدية منذ الأشهر الأولى للثورة: المعركة الأمنية القمعية بلا حدود لأدواتها وغاياتها، والمعركة الإعلامية التي تستهدف تبرئتها من كل هذه الجرائم التي تتهم بها كل الفصائل المسلحة التي أوجدتها أو التي اخترقتها، وتقديم النظام الأسدي بوصفه المنقذ والبديل الوحيد لهذه الجماعات المسلحة التي يمولها رعاة الإرهاب من القوى العربية والإقليمية. لم تبق جريمة أجمعت الشواهد والدلائل على ارتكابه لها إلا وتنصل منها، ملقيًا بمسؤوليتها على ما صار يسميه “الإرهاب”، وعنى به منذ البداية كل من كان يقف ضده، مدنيًا كان أم مسلحًا. وكان يكيِّف مفردات خطابه وتوصيفاته حسب من يستهدفه في داخل سورية أو في خارجها. الثوابت الوحيدة فيه كانت براءته من كل الجرائم التي ارتكبها، وحربه ضد الإرهاب السلفي الرجعي، وعلمانيته التي جعلت منه حامي الأقليات، ولا سيّما المسيحية منها، ويأمل من ورائها أن ينال عطف الغرب! في كل هذه الخطابات، لا وجود للشعب السوري، القتلى منهم أو المعاقين، وقد باتوا يعدون بمئات الآلاف، ولا للذين سُجنوا وعُذبوا وقُتلوا وأحرقت جثثهم، ولا للذين هُجروا من بيوتهم، داخل سورية وخارجها، وباتوا اليوم يُعدون بالملايين. فالمعركة لا تقال عسكريًا أو إعلاميًا إلا بمفردات “الدولة” السورية والعصابات الإرهابية.

على أن كل هذه الخطابات، بمفرداتها وبهلوانياتها وتلفيقاتها، أخذت قبل أشهر تفقد معناها أو ما كان النظام الأسدي يظنه تأثيرها على الرأي العام الغربي، ولا سيما حين بدأت بعض الدول الغربية تتبنى تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية عن الفظاعات المرتكبة في السجون السورية أو في الحرب التي يخوضها النظام خبط عشواء مع حلفائه ضد السوريين. هذا على ما يبدو ما أتاح الفرصة لخطاب جديد في تفسير ما يحدث في سورية لم يظهر من قبل أمام الرأي العام حول “السبب الحقيقي” للحرب في سورية. فبعد استبعاد كل ما يمت إلى الثورة بِصلة، ووسم كل من حمل السلاح أو لم يحمله من الثائرين على الهيمنة الأسدية بالإرهاب أو بالرجعية أو بالعمالة -كيفما اتفق- لدول الخليج أو لـ “إسرائيل” أو للدول الغربية، كان لا بدّ من تفسير يمكن قبوله لدى الأطر السياسية والنخبة الفكرية المؤثرة، سواء في ميدان القرار السياسي أو في مجال تكوين الرأي العام. وإلا فما معنى أن يبث برنامج على قناة تلفزيونية فرنسية، ثم يبث عبر (يوتيوب) وعبر العديد من صفحات مختلف الشبكات الاجتماعية حتى بلغ عدد من شاهده مسجلًا أكثر من 132 ألف مشاهد، دون الحديث عن عدد المشاهدين عند بثه مباشرة والذين يعدون بمئات الآلاف؟

أبطال البرنامج/ الخطاب هم بالطبع بشار الأسد وحلفاؤه (روسيا، إيران، العراق، حزب الله)، وخصومه (السعودية، قطر، تركيا، الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا). والفكرة الأساس فيه هي “مشروع” بشار الأسد الذي أعلن عنه عام 2009 لجمع البحار الأربعة: قزوين والبحر الأسود والخليج والبحر المتوسط، بما أن سورية تقع وسط هذه البحار، وهي في المركز منها، ملتقاها على صعيد نقل الغاز إلى مستهلكيه في أوروبا. أما سبب الحرب في سورية، فهو نتيجة تفضيل الأسد إبرام عقد نقل الغاز من إيران عبر العراق إلى سورية وصولًا إلى البحر المتوسط ومنه إلى أوروبا، بدلًا من انتقاله عبر سورية إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، كما سبق أن اقترحه الأسد نفسه على السعودية وقطر حسب هذا البرنامج. ومن هنا -كما يقول البرنامج المذكور- الغضب السعودي/ القطري/ التركي الذي دفع بهؤلاء إلى قرار “إسقاط بشار الأسد” وتسليح “المتمردين” من أجل أن ينجزوا ذلك!

هكذا يقول لنا هذا الخطاب الجديد، إن ما يجري في سورية لا علاقة له بثورة شعبية، بقدر ما هو صراع موضوعه الطاقة ونقلها. فبعد أن ضمنت إيران حصتها، تمكنت روسيا، هي الأخرى، من ضمان مصالحها حين أبرمت اتفاقًا يسمح لها بالبحث عن الغاز على الشواطئ السورية من البحر المتوسط.

كثيرة هي تعليقات مشاهدي البرنامج الذين “يكتشفون” فجأة -وكما كانت غاية هذا البرنامج- “سبب الحرب في سورية” الحقيقي! مشاهدان اثنان أدركا، كما يبدو، مرامَ اللعبة. يقول أحدهما: “حماقة كبيرة، كالعادة. بشار يقتل شعبه ثم نبحث عن المذنبين في مكان آخر!” أما ثانيهما فكتب: “أتريدون الآن فقط إقناعنا أن هذا الصراع مرتبط بالطاقة في المنطقة”.

السبب واضح بالطبع. فقد استبدلت المفردات ذات الطابع الاقتصادي في الخطاب الجديد بالمفردات الأسدية البالية. هكذا صار الخطاب الجديد ينطوي على طابع “الموضوعية” و”الحياد”، مبتعدًا عن كل طابع أيديولوجي، بما أنه يعتمد الوقائع الصارخة أو، بالأحرى، ما يحاول الإيحاء به على أنه كذلك. لكن القاسم المشترك الأعظم بين الخطابات السابقة وهذا الخطاب “الجديد” الذي يسوقه أنصار النظام الأسدي، هو ما اعتاد عليه هذا الأخير طوال السنوات الست الماضية: تغييب الشعب السوري الذي يبقى، مع ذلك، ورغم كل الخطابات التي تحاول تجاهله، حاضرًا لا يزال.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق