تحقيقات وتقارير سياسية

إصلاح الائتلاف وقصّة “كتلة الأركان”

منذ سنوات، يطالب العديد بإصلاح الائتلاف وإعادة هيكلته؛ ليكون بحق ممثلًا للثورة، وبألا ينام على وسادة قديمة (اعتراف نحو 120 دولة به)، لأن الاعتراف الحقيقي يجيء من الشعب ومن قواه المتعددة، وليس من الخارج فحسب، على أهميته، وهذا لا يحصل إن لم يكن الإصلاح معبّرًا في خطه، وسلوكه، وعمله، عن أهداف الثورة ومستلزماتها، مستنيرًا بالوطنية السورية ركيزة، وبالقرار المستقل انطلاقًا، وأساسًا في العلاقات الداخلية والخارجية.

دعوات الإصلاح ومشروعاته قديمة، وفي كل مرة كانت تُرحَّل إلى اجتماع قادم؛ ثم تتلاشى، أو يطويها الإهمال؛ ما أسهم في فقدان الصدقية، وهبوط شعبيته إلى درجة كبيرة، وبات في موقع المتهم. والدريئة التي توجّه لها معظم أسباب الفشل أو العجز، بلغة اتهامية، لا تخلو من المبالغة والشتائم، والنعوت القاسية أحيانًا.

إلى جانب ذلك، فالتطورات التي تشهدها سورية، بواقع انسداد الحل السياسي، ووجود قوى احتلالية متعددة، ومشروعات تقسيم وتفتيت، وإنشاء كيانات ومناطق نفوذ الأمر الواقع، جميعها تضغط ليقوم الائتلاف بالدور المأمول به، وإلا فإنه يصبح عثرة فعلية، ويُمسي البحث عن بديل له مهمة وطنية.

في الانتخابات الأخيرة التي لم يحصل فيها التوافق لوجود مرشحين للرئاسة، وقائمتين للهيئة السياسية، تقدّم المرشح الذي فاز برئاسة الائتلاف، رياض سيف، ببرنامج عمل يتضمن مجموعة من النقاط والمهمات، مدخلها ومنطلقها إصلاح أوضاع الائتلاف بدءًا لمباشرة تنفيذ المهمات الأخرى.

يشمل إصلاح الائتلاف مجموعةً واسعةً من الإجراءات، أهمها:

1 ـ فتح ملف العضوية باتجاه تمثيل أكثر واقعية، وترشيق الائتلاف بإيجاد حل لوضع عدد لا بأس به ممن لا ينشطون، ولا يحضرون الاجتماعات، وهم محسوبون على النصاب، ولهم ثقل عند حساب الأصوات الانتخابية، و”قصة” كتلة الأركان التي تضجّ بها الأوساط الإعلامية هذه الأيام.

2 ـ توسيع التمثيل نوعيًا، باختيار أعضاء وشخصيات تعبّر عن مختلف المكوّنات، والفاعليات السياسية والمجتمعية، بعدد محدود لا يؤدي إلى التعويم وتضخيم العدد.

3 ـ اعتماد الشفافية في القرارات، والوضع المالي، والنفقات والرواتب وغيرها، ونشر ما لا يتعارض والسرية، في الإعلام ومواقع الائتلاف، واطلاع الهيئة السياسية على التقارير المالية.

4 ـ اعتماد مبدأ المحاسبة في جميع المستويات.

5 ـ القيام بتتمة الإصلاحات الضرورية للنظام الأساسي باتجاه مزيد من المأسسة، وتكريس الروح الجماعية، ومبدأ المسؤولية الفردية، وصلاحيات الرئيس، والأمين العام، والهيئة السياسية واللجان.

6 ـ تفعيل عمل الحكومة المؤقتة ودعمه، ووحدة تنسيق الدعم، وتأمين تغطية مالية للمشروعات المقدمة.

7 ـ انطلاقًا من مجموع هذه الإصلاحات تجيء المهمات الأخرى المتداخلة والمتوازية، عبر مجموعة من البنود المفعلة لعمل الدوائر، وتشكيل مجموعات عملٍ تشمل جميع الميادين، كتوسيع العلاقات واستمرارها مع القوى السياسية، وهيئات المجتمع المدني، والفصائل العسكرية، ومع المثقفين والإعلاميين والأدباء والفنانين ورجال الأعمال والاقتصاديين وغيرهم، وهيئات المجتمع الأهلي، ووضع مهمات قابلة للتطبيق في زمن محدد، وصولًا إلى الاعتماد على الذات في التمويل، واستعادة القرار الوطني، والإسهام الفاعل في الحل السياسي، كرقم مهم في المعادلة السورية وليس مجرد ديكور أو ملحق، والتركيز على وحدة العمل العسكري باتجاه إنشاء الجيش الوطني الحر المهني المعتمد على ضباط ذوي كفاءة وخبرة، وإبعاده عن السياسة والتدخل فيها.

8 ـ تتويجًا لذلك، فإن بلورة المشروع الوطني وطرحه على القوى والفاعليات السياسية والمجتمعية للتوافق عليه، يُشكّل اليوم قاعدة رئيسة في توحيد الرؤى من مستقبل البلاد، وطبيعة النظام الذي سيكون بديل نظام الاستبداد والفئوية والإجرام، ثم الدعوة لعقد مؤتمر وطني لقوى المعارضة وفاعليات المجتمع السوري؛ لوضع خريطة طريق شاملة لعملية الانتقال السياسي والتحول الديمقراطي ومستلزمات ذلك في عموم الميادين.

“قصة كتلة الأركان” والملابسات الحاصلة:

تُركّز معظم وسائل الإعلام، هذه الأيام، على قرار الهيئة السياسية في ما يخصّ كتلة الأركان، وتتعدد التوصيفات التي تُرافق الخبر، كطرد، أو فصل، أو إبعاد.. إلخ، وربطها بصراعات داخلية، أو بنتائج الانتخابات الأخيرة.

عملية الإصلاح الداخلي لم -ولن- تقتصر على القرار الذي اتخذته الهيئة السياسية بشأن “كتلة الأركان”، بل تشمل عملية ترشيق واسعة ستطال عددًا، يقارب ثلاثين عضوًا، ممن توقف نشاطهم منذ مدة، ولم يحضروا اجتماعات الهيئة العامة، أو اكتفى بعضهم بالحضور عبر (سكايب)، والإدلاء بأصواتهم الانتخابية -أغلبيتهم الساحقة- من خلال التفويض، وبعضهم حالت ظروفهم المادية، أو عدم الحصول على الفيزا، دون ممارسة واجبهم التنظيمي. وقد اعتمدت الهيئة السياسية تفسير اللجنة القانونية بعدّ الحضور عبر (سكايب)، بشكل متكرر ومتواتر، لا يعدّ حضورًا، وأنها تدرس طبيعة الأعذار ومدى أهليتها النظامية، وهي تنحو باتجاه إيجاد صيغة جديدة لهؤلاء، ضمن اقتراحاتٍ أرسلت إلى اللجنة القانونية للنظر فيها، كأعضاء مشاركين غير ناخبين مثلًا، بحيث لا يُحسبون من النصاب، ولا يحق لهم الترشح والتصويت والمشاركة في القرارات، وعلى أن يُستبدلوا بممثلين عن قوى وتشكيلات سياسية ومجتمعية، ومن مختلف مكونات الشعب السورين، شرط الفاعلية والعمل.

أما “كتلة الأركان” التي يعود إدخالها في الائتلاف، ترافقًا مع ما يُعرف بدخول “الكتلة الديمقراطية”، حين كان يوجد المجلس العسكري، وقيادة الأركان التي كانت هي من يقوم بتسمية مندوبيها، فقد كان للعوامل الانتخابية حسابها الرئيس في ذلك الاختيار، وبما أدّى إلى مشاركة أغلبية لا علاقة لهم بالأركان، وهم خارج البلاد من زمن طويل، وبما أثار صراعات متواصلة داخل “كتل الائتلاف”، وصولًا إلى تغيير تلك الكتلة بأخرى كان بعضها يمثل وجودًا فصائليًا ما، عرف انزياحات متتالية عبر التغييرات التي تحدث؛ وأدّت إلى نهاية بعض الفصائل وتلاشيها كليًا أو بعثرتها، أو انضمام ما تبقى منها إلى فصائل أخرى.

الإشكالية التأسيسية لم تكن هنا فحسب، بل بترافق قبول هذه الكتلة مع حلّ المجلس العسكري من قِبل رئيس الائتلاف الأسبق، وخلو منصب رئيس أركان، وبالتالي لم تعد هناك مرجعية شرعية لهذه الكتلة، واستمرت بفعل أوضاع الائتلاف وصراعاته الداخلية، في حين برز عدد من الأشخاص في هذه الكتلة، وتولوا مناصب في الهيئة السياسية، وقدّم بعضهم جهدًا طيبًا في مسيرة العمل.

التوجه الذي كان يلقى قبولًا لدى عدد واسع من الائتلافيين، يتلخص في إيجاد ممثلين حقيقيين عن الفصائل العسكرية، يكون تمثيلهم فعليًا، وترشيحهم مباشرة من قبل الفصائل التي اعتمدت على اعتبار أنها الأهم، والأكثر حضورًا وفاعلية في الميدان، مع ترك حرية الاختيار لقادة الفصائل في تسمية مندوبيهم، ويمكن أن يكون المندوب أحد أعضاء “كتلة الأركان”، وهذا مرحب به.

عدّت الهيئة السياسية، استنادًا إلى رأي اللجنة القانونية ولجنة العضوية، أن ما جرى هو عملية استبدال، وقد اختارت اثني عشر فصيلًا وعددًا آخر بصفة احتياط، للتواصل معهم بكتب رسمية؛ بهدف تسمية مندوبيهم في عضوية الائتلاف، وهو ما لقي قبولًا من أغلبية تلك الفصائل، بانتظار ما تبقى ليصار إلى ضمّهم.

قوبل القرار الذي اتخذته الهيئة السياسية بالإجماع، برفض أعضاء “كتلة الأركان” الذين استهدفهم القرار، ومعهم بعض المناصرين لوجهة نظرهم إما لقناعة تنظيمية، أو لأسباب مختلفة أخرى عند البعض، لكن يبقى النظام الأساسي هو الحكم والفيصل، مع التأكيد على نهج عام، ورأي شخصي أن هؤلاء الإخوة الذين شملتهم عملية الاستبدال، وبهم عدد من الناشطين والفاعلين لا بدّ من إيجاد صيغة ما للاستفادة من طاقاتهم، والتأكيد على نهج الحوار والتفاعل مع الجميع، ورفض منطق تصفية الحسابات، أو الاستئصال.. كما يفسرها بعض من استهدفهم القرار.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق