سورية الآن

الخامس من حزيران أكثر من هزيمة

كان من أسوأ ما حصل بعد كارثة حزيران التحايل على تسمية الحدث. وعلى رغم مرارة الهزيمة وعمقها، فإنّ تسميتها بـ «النكسة» كانت واحدة من التغطيات التي سمحت لذات النخبة التي أوصلت المنطقة إلى الهزيمة في كل من مصر وسورية، أن تبقى على رأس السلطة، على قاعدة أن الهدف الإسرائيلي من الحرب كان إسقاط الأنظمة «الوطنية».

ماذا عن مسؤولية هذه النخبة عن توسع إسرائيل أكثر من خمسة أضعاف مساحتها عشية حرب حزيران؟ ماذا عن هذه الدولة «المصطنعة» التي سحقت جيوش الدول «الوطنية» التي ترفع شعارات التحرير خلال ساعات؟ كل هذا وغيره الكثير تفاصيل لا أهمية لها، طالما بقيت الأنظمة «الوطنية» في السلطة! تلك التي عادت لترفع شعار «إزالة آثار العدوان» لكنها لم تستطع إزالتها حتى يومنا هذا.

لا نخالف الصواب، إذا قلنا إن المنطقة العربية بالمعنى الحديث، قد تشكلت بفعل هزيمة 1967 أكثر مما تشكلت بفعل أي حدث آخر. ليس فقط لأنها كشفت هشاشة «المشروع القومي» وسطحيته كما عبرت عنه الناصرية في مصر والبعث في سورية، وليس لأنها كشفت ضعف الدولة الوطنية وتفككها في المشرق العربي، وليس لأنها حطمت أسطورة التحرر الوطني ومنحت النصر لامتدادات الامبريالية في المنطقة فحسب، بل لأن هذه الدول استبطنت الهزيمة وباتت مكوناً من مكوناتها أيضاً، وكانت الحدث السعيد للديكتاتوريات بوصفها الذريعة القوية للاستبداد، بحجة مواجهة العدو (على رغم أن إسرائيل، العدو الذي يواجهونه، لم تمنعه هذه المواجهة من أن يكون ديموقراطياً).

بفضل هزيمة الخامس من حزيران، تم تكريس كارثة 1948 بتأسيس دولة إسرائيل. فقد نقلت هذه الهزيمة الصراع من المناطق التي احتلتها إسرائيل في 1948 إلى المناطق المحتلة في 1967 ولم تفعل حرب أكتوبر 1973 غير تكريس الصراع على أساس حدود 1967. وهو ما تم تعزيزه بتوافق دولي، تأكد في السنوات اللاحقة بتأييد إقليمي، بأنّ حدود الحل للصراع العربي- الإسرائيلي، هو حدود 1967، كما عبر عنه قرار مجلس الأمن 242، الذي يتحدث عن أراضٍ محتلة في تلك الحرب، ومشكلة اللاجئين، وهو ما كرره القرار 338 بعد حرب 1973.

وفي الواقع تحولت هذه الأراضي مع الوقت أراضي متنازعاً عليها، كما عرفنا من خلال المفاوضات التي بدأت في مدريد العام 1991 ولم تصل إلى شيء حتى اليوم.

لقد أدار المهزومون المنطقة بعد الهزيمة. والمهزوم الذي كان يفترض أن يغادر السلطة، تمسك بها أكثر من السابق، وبدل أن يعمل على إلحاق الهزيمة بالعدو الذي أذله، ألحق الهزيمة بمجتمعه من خلال تشديد القبضة الأمنية وتوسيع الأجهزة الأمنية بذريعة هذا الصراع. وبذلك تم تعميم الهزيمة. النخبة المهزومة، هزمت المجتمع وحطمت قواه السياسية المعارضة ورهنت اقتصاده للفساد، وكممت الأفواه، وأقامت الأحكام العرفية والطوارئ لعقود. كل هذا جعل المجتمعات العربية المحيطة بإسرائيل على الأقل لا تعرف ما هو الوضع الطبيعي في الدولة الطبيعية.

إذا أردنا أن نختصر ما جرى في 5 حزيران نستطيع القول إن إسرائيل هزمت الديكتاتوريات الحاكمة، والديكتاتوريات هزمت شعوبها ومجتمعاتها، وأصبحنا نعيش هزيمة مزدوجة ممتدة، كجرح غائر لا شفاء منه.

(*) كاتب فلسطيني

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق