مقالات الرأي

خمسون عامًا على هزيمة العرب الكبرى

لم يمضِ عَقدٌ من الزمن على هزيمة ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية، حتى لملمتا جراح هزيمتيهما، وشرعتا في إعادة بناء نفسيهما، انطلاقًا من استيعابهما لموازين القوى ولروح العصر بعد الحرب، واستمرتا في البناء، على كل صعيد، إلى أن أصبحتا عملاقتين اقتصاديتين، يُحسب لهما في موازين القوى الدولية. أما نحن فما زالت هزيمة 5 حزيران/ يونيو 1967 تلاحقنا حتى اليوم!

إنّ تاريخ العالم العربي المعاصر عامة، والمشرق العربي بوجه خاص، هو سلسلة من الأحداث التي تشكلت وانتظمت، باعتبارها نتائج تلك الهزيمة. لقد ولّدت الهزيمة آثارًا عميقة في الحياة العربية كلها، فهي لم تكن هزيمة عسكرية مُنيت بها الجيوش العربية فقط، وإنما هزيمة شاملة لكل بنى المجتمع العربي، إذ كانت اختبارًا لـ “الاشتراكية” التي بُنيت، ولـ “التنمية” التي تحققت، ولـ “الدولة الأمنية” التي شيدت. ومهما يكن من أمر؛ فإنّ الهزيمة كانت إيذانًا بتغيير مجرى الأحداث نحو المزيد من الانحدار العربي، ومنعطفًا تاريخيًا بدأت ديناميته تتضح وضوحًا جليًّا، منذ سبعينيات القرن الماضي حتى اليوم.

لم تكن الهزيمة لحظة عابرة في الحياة العربية، فقد وضعت الشعوبَ العربية كلها على منحدر، لم تنتشلها منه حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 التي تحولت إلى هزيمة سياسية، راحت تداعياتها تتوالى في جميع المجالات. من ذلك أنّ المجتمعات العربية، التي أصابت شيئًا من التحديث، انتكست إلى أسوأ ما في تاريخها، أي إلى نمط من الحياة السياسية أقرب ما يكون إلى نمط الحياة في العصر المملوكي، الذي أبرز سماته انفصال الحكم عن الشعب وانفصال المجتمع عن الدولة، وركود المجتمع وتخثّر تاريخه الداخلي، وهيمنة أيديولوجية تقليدية تعزّز التبعية والامتثال والعجز والعزوف والخوف، الخوف من سلطة الدولة ومن الحقيقة ومن الحرية، والخوف من مواجهة الذات ومن مواجهة الواقع، والخوف من المستقبل.

إنّ العرب يعيشون، منذ العام 1967، في الوضعية العامة التي فرضتها نتائج هذه الهزيمة عليهم، مرورًا بالحرب الأهلية في لبنان، وبحروب الخليج الأولى والثانية والثالثة، والانتفاضتين الفلسطينيتين، وعطالة النظام الإقليمي العربي في أن يكون رافعة حقيقية للنهوض العربي، وصولًا إلى تعثّر مفاوضات التسوية الإسرائيلية – العربية، ومنذ ست سنوات ونيّف الكارثة السورية، والتمدد الإيراني في العراق وسورية ولبنان واليمن. مما يعني أنّ الهزيمة التي تطبع تاريخ العرب المعاصر هي هزيمة الحركة التغييرية الواسعة التي انطلقت في خمسينيات القرن العشرين للرد على النكبة الفلسطينية في العام 1948. إنها أزمة بنيوية عامة، أصابت الاقتصاد والثقافة والسياسة والمجتمع، وما يتعلق بها أو ينتج عنها. وبهذا المعنى، يصحُّ أن نصفها بأنها أزمة حضارية.

الوقت حان للانتهاء من آثار خمسين عامًا ثقيلة على العرب، إذ أصبح يتعين علينا أن نقف، بموضوعية وواقعية، أمام روح العصر شركاء فاعلين فيه لا متفرجين سلبيين عليه. فلقد آن الأوان لكي يعكس العرب إمكاناتهم الحقيقية على سياساتهم، حتى لا يعود من جديد شبح ذلك الماضي الكئيب ليطل على الأمة من جديد، وكي يتمكن الشعب الفلسطيني من نيل حريته واستقلاله وبناء دولته المستقلة القابلة للحياة، وتحقيق الشعوب العربية لأهداف ثوراتها في الحرية والكرامة.

إنّ الأزمة العربية الشاملة المفتوحة هي من تلك الأزمات التي تتقلص فيها الاختيارات إلى اثنين لا ثالث لهما: إما الغرق في الأزمة والدخول في مسلسل من التدهور والفوضى والانحلال والضياع. وإما تجاوزها إلى وضعية جديدة تمامًا، انطلاقًا من التفكيك الواعي للوضعية القائمة المأزومة والشروع في عملية بناء جديدة، بمنطلقات واستشرافات جديدة كذلك.

   من المفارقات الملفتة للنظر أنّ القضايا الأساسية، حول الاستقلال والحرية، التي شكلت عماد فكر النهضة العربية في القرن التاسع عشر، ما زالت حية قائمة كمطالب وطموحات عربية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

إنّ التغيّرات الإقليمية والعالمية الجديدة، خاصة تداعيات ربيع الثورات العربية ومخاطر الإرهاب والتطرف، تواجهنا بتساؤلات جديدة، وتحديات وفرص جديدة أيضًا؛ مما يتطلب قدرًا كبيرًا من العمق في المراجعة ونقد الذات وإعادة الصياغة الفكرية والسياسية للقضايا العربية، باعتبارها تمثل مسائل جوهرية عديدة تتداخل فيها مهمات التحديث الفكري والسياسي مع مهمات النهوض الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وهو ما يفترض ممارسة الديمقراطية كمنهج للتعامل السياسي على صعيد الدولة والمجتمع، منطلقين من أنّ مسألة إنجاز الدولة الوطنية الحديثة، دولة كل مواطنيها، هي جوهر تلك القضايا.

وعليه، فإننا لسنا بحاجة إلى شعارات من أجل التعاطي المجدي مع التحديات الكبيرة المطروحة على أمتنا العربية، بل إلى الارتقاء إلى مستوى التحديات، في برامجنا ووسائل عملنا، بما يخدم مصالح الأمة ويضمن حقوقها الأساسية في السيادة والحرية والاستقلال. إنّ مشروع النهضة العربية كان -ولا يزال- في حاجة إلى فكر الأنوار والحداثة، وكذلك استيعاب التحوّلات والتغيّرات التي طرأت على الساحتين الإقليمية والدولية. ومن أجل ذلك، تبدو الديمقراطية في رأس أولويات التجديد العربي، فالمسألة تستدعي مقولات جديدة: المجتمع المدني، الديمقراطية، العلمانية، الدولة الحديثة، المواطنة.

ولعلّنا بذلك نفتح من جديد باب التاريخ، وندق أبواب المستقبل وننهض لإطلاق خطاب عربي عصري، مع آليات فاعلة لتنفيذه، عناوينه في توجهاته ومضامينه وفي تجديدنا له، يحتمل دائمًا التأويل والتعديل لصالح شعوبنا العربية. إنها إعادة قراءة واجبة، ليس فقط في تجديد هذا الخطاب، وإنما في تجديد العقلية العربية المدعوة إلى خوض مغامرة المستقبل بأدوات جديدة، تتجاوز أدوات الهزيمة، وبأفق مفتوح وحوار دائم على المصالح والأهداف والممكن والمستحيل.

مقالات ذات صلة

إغلاق