أدب وفنون

أمنيات معلَّقة

هنالك أشياء صغيرة عن تفاصيل

 ألمٌ حار ونافذة مغلقة. أقبضُ على نفَسي كي أتنفسكَ. بينما الرصاص في الخارج، أكثر بقاءً منّا، والموت وإن طاف بعنف، ونثر شظاياه بلطفٍ فالإصابات على الوجوه أمرّ من أن تدفن تحت التراب، ثمّ عيناكَ آخر الأرق، آخر السكون.

إلا أن الوقت في هذه المدينة حرب إلا موت. وأنتظرك.

أرتكبُ الحياة، وأقلّم أظافري. أقتلُ الصمت بصخب الشوق، حتى يجف العمر على مسامات جلدي وأنتشي! كبيوت هجرها ساكنوها، بذاكرة مفقودة وحربٍ تركتنا بوحدة نبحث عنها ولا نجد لها مبرّر.

أغادرُ الأفكار بنفسٍ عميق، وأعود وأطلي أظافري باللون الأحمر. يجف اللون. أحدقُ بالأحمر بمتعة حدثٍ جميل، أشعل سيجارة “الحمراء”، أبلل عقبها بريقٍ يبحث عن رغبة ما، أسحبُ نفسًا لذيذًا يستنزف الألم حتى شهوة الموت، وأكثر.

المدينة مكتظة، صاخبة، وكأنها مثلي تبحث عن فرح مفقود في الشوارع. الشجر مزيّن وأبحث عن شجرة جميلة أعلق عليها أمنياتي. في منتصف الشارع، وقفتُ أنظر إلى الجانب الآخر من الحياة. أحياء يسكنها الدمار وشجرها ناقص فرح،

حزين وقت ينتظر مثلي يرتب الأمنيات في جنون الزمن.

أعود إلى المقهى القديم، كم تغير المشهد. حتى جدار المقهى تغير وصار أكثر شحوبًا، الناس رحلوا، المقاعد تعاكست والطاولات. بدا كل شيء شاذًا، لم أنهِ سيجارتي، أطفأتها في منفضة وحيدة لم تتغير، وحدها تلك المنفضة تعرف مذاق شفاه كل من مروا من هنا، وتعرف سرَّ كل أمنية أُطفأت فيها، وتاهت دخانًا، رمادًا وأصبحت عدم.

أمشي وأمشي، أراقب وجوه المارة: بؤس، مأساة وفرح مغشوش “ضحكة من فوق الجوزة” كما يقولون. يأخذني الذهول من كل شيء. يا لشدة فقدي.

“كم أرغب في القهوة”

دخلتُ مقهى آخر، مليئًا بأناس حالمين وأحاديث صاخبة، ابتسمتُ وكأن المدينة ازدهرت من جديد. وفي لحظة حلمت بتعليق أمنياتي على جدران المكان، على وجوه الأشخاص؛ إلا أن رائحة الوهم فاحت، كان يسعفهم للحياة أوكسجين جميل لا بأس فيه.. هكذا هي الحرب تصنع الأوهام، والقذائف.

صراخ، خوف، هروب وقذيفة. لهاث وفي الأزقة الضيقة تفوح رائحة الحب واللعنات. وعلى مصطبة أحد البيوت، أجلس، ألتقطُ نفَسي. مزيج من الأصوات، موسيقا عالية، قصف، حرب وأغان صاخبة.

 إنها ليلة ميلادي.

“لو أنهم استبدلوا كلمة حب بكلمة شهوة لكانت أقرب إلى الحقيقة”

هكذا تقول سيلفيا بلاث في رأسي، وأعدُ نفسي بليلة ممتعة. الرغبة أقوى من السعادة، أقوى من الموت. بدأت أرقص في الشارع.

هناك شاب يعزف على العود “يا مسافر وحدك، وفايتني”. قاومتُ خوفي بانحناءات الجسد.

الحرب داخل جسدي الآن، الحب لم يأتِ

السماء بقمرٍ حزين غير مكترث.

لم أعلق أمنيتي على شجرة، دفنتها في جسدي الذي يرقص وحيدًا في انتظار ساحر للموت، وضوء لقمر غير مكتمل يضاجع غرابًا، وقف على نافذة في ليلة حب، ولم يغادر بعد حتى عشقتُ الرغبات خارج أوقاتها.

مقالات ذات صلة

إغلاق