ترجمات

الغارديان: الإرهاب لا تصنعه التقليدية الدينية، وإنما الجريمة والإقصاء

لقد أمضيت سنوات وأنا أقوم بأبحاث في مجتمعات سلفيين متدينين. إن تركيز تيريزا ماي على الأيديولوجية وسيلةً لمعالجة الإرهاب يمكن أن يكون له نتائج عكسية

إن التركيز على المعتقدات الدينية يشجع الافتراضَ الخاطئ بأن الممارسات الإسلامية ترتبط بالعنف. “امرأة تغادر المحكمة بعد إدانتها لارتدائها النقاب، ميو _ فرنسا، 2011. تصوير: فرانك بريفيل/ صور جيتي

 

في تعليقاتها، عقب هجمات نهاية الأسبوع الماضي في لندن، اقترحت تيريزا ماي، توجهًا جديدًا في مكافحة الإرهاب، مصرّةً على أنَّ “الأمور تحتاج إلى تغيير”، وأشارت إلى مشكلات “المجتمعات المنفصلة والمعزولة”، وإلى “التسامح الشديد مع التطرف الإسلامي”.

ليس من الواضح من تعليقاتها بالضبط، ما هو نوع التغييرات المضمنة أو المتوقعة، أكثر من التحكم الزائد بالإنترنت، وزيادة أحكام السجن للجرائم ذات الصلة بالإرهاب. لكن تعليقاتها أكدّتْ بوضوح ضرورةَ هزيمة ما أسمته “الأيديولوجية الشريرة الوحيدة للتطرف الإسلامي”.

في الواقع، الخبراء منقسمون حول الحكمة والفاعلية في معالجة الأيديولوجية، والمعتقدات داخل المجتمعات الدينية، حيث يرى البعض أنَّ الأيديولوجية هي النقطة الأكثر أهميةً في الحرب على الإرهاب، بغض النظر عن مدى الصعوبة التي يمكن فيها أن تكسب القلوب والعقول، والبعض الآخر يعارض قائلًا: إن التركيز بشكلٍ كبير على المعتقدات، والممارسات الدينية داخل المجتمعات الإسلامية يحمل مخاطر عديدة. فعلى سبيل المثال، يشجّع على الافتراض الخاطئ، بأن الممارسات وأساليب الحياة الإسلامية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالعنف. فالأفعال الدينية الشائعة، مثل الصلاة اليومية، وتربية اللحية، والصيام في رمضان، أصبحت تبدو وكأنها أفعال مثيرة للقلق و”متطرفة”، حيث يصبح كل المسلمين المتدينين، بعبارةٍ أخرى، مشتبهًا بهم.

لقد رأيتُ هذا يحدث مباشرةً بين المجتمعات السلفية في فرنسا، حيث دعا السياسيون البارزون إلى “نضال ثقافي ضد السلفية”. السلفيون هم أقليةٌ من المسلمين في العالم، متنوعون، ومختلفون اختلافًا كبيرًا، وغير متورطين في السياسة، فضلًا عن العنف السياسي. ومع ذلك فإنَّ الدول تصفهم بـ “المسلمين المتطرفين”، جزئيًا بسبب ممارساتهم الصارمة عمومًا، ولكنْ أيضًا، لأنَّ بعض الإرهابيين في أوروبا، خبّؤوا أنفسهم في المجتمعات السلفية.

في بحثي أنا -عالمةَ الاجتماع في الدين- قضيتُ الوقت مستغرقةً في مجتمع المساجد السلفية في جنوب شرق فرنسا. الحيُّ معزول، حيث بلغ معدل البطالة بين الشباب البالغين 40 في المئة. ويبدو أنَّ الرجال والنساء السلفيين “معزولون ذاتيا”، ولكن عزلهم عن المجتمع الأوسع لم يكنْ بالضرورة اختيارهم، فقد عانوا من العداء في الأماكن العامة، والتمييز الشديد في العمل، طبقًا إلى المكان الذي يعيشون فيه، ولأسمائهم الإسلامية، ولباسهم الديني. وتُظهر البحوث المتعلقة بالمسلمين في بريطانيا الاتجاهات نفسها.

على مرِّ السنين راقبتُ نساءً سلفيات، على وجه الخصوص، يزددن عزلةً، لأنّ الدولة أصدرت تشريعات مكافحة الحجاب، ووسعّت المراقبة، وشرعت في مناقشاتٍ حول الولاء الوطني الذي شوّه سمعةَ المسلمين. وقد تركت بعض الشابات اللواتي عرفتهن، من المدرسة بعد أنْ حظرت الدولة الحجابَ في المدارس العامة في عام 2004.

أعرف نساء أخريات، خفنَ على سلامتهن بسبب مضايقة الغرباء لهن، وصار لديهن مشكلة في تصور مستقبلٍ إيجابي خاص في فرنسا. إنّ إيمانهن وتعاليمهن الأخلاقية وفرّت لهن ملاذًا مهمًا. بالنسبة إلى بعض الرجال السلفيين، مسارٌ روحاني صارم متركز على الله، حيث كانت المتطلبات الدينية اليومية بديلًا للمخدرات والسجن. منير، على سبيل المثال، شابٌ كان يعمل بوّابًا في مجمّعِ سكنه العام، كان حزينًا لأنه فقد معظم أصدقائه بذهابهم إلى السجن. بعد السجن، قال: وجدوا فرصةً ثانية، و”يريدون العودة إلى الله”.

إنَّ خطر التأكيد على الأيديولوجية، في استراتيجيات مكافحة الإرهاب، يكمن في أنّه يتجاهل هذا السياق الاجتماعي برمته، ويصرف النظر عن الاهتمام بشواغل حيوية أخرى، مثل نظام السجون المزدهر، والإقصاء الاجتماعي والاقتصادي، ويجعل الجميع مشتبهًا بهم على أساس ممارستهم الدينية. وفي الحقيقة، إنَّ التديّن الصارم قد لا يكون له علاقة بالإرهاب؛ وكما أشار الباحثون، فإن معظم المهاجمين في أوروبا، والولايات المتحدة تحولوا إلى الإرهاب بعد سنواتٍ من السلوك الإجرامي، أو الجنوح والرعونة، أو العنف المنزلي. وعلى الرغم من استخدامهم للاستعارات والممارسات الإسلامية، إلا أنّهم كانوا بعيدين عن التقوى. وقد وصف أوليفيه روا، وهو خبيرٌ فرنسي في الإسلام السياسي، هذا بأنّه “أسلمة التطرف، وليس تطرف الإسلام”.

ليس هذا القول كي ننكرَ أن قادة المسلمين الكاريزميين، والشبكات الاجتماعية قد لعبوا دورًا في التحريض على العنف، كما شوهد في جميع أنحاء أوروبا. وأيّدَ المجلس الإسلامي في بريطانيا المشاعرَ الكامنة خلف تعليقات ماي، بأنه “طفح الكيل”.

ولكنْ، إذا كان النضال هو في نهاية المطاف حول الأيديولوجية، لا يمكننا أنْ نتحمل وجهة النظر التبسيطية والعقيمة حيث “الإسلام الراديكالي” مقابل “القيم البريطانية”.

يحتاج الأفراد المعرّضون لتجنيد الإرهابيين إلى الإحساس بالمعنى والانتماء. ولعل هذا هو السبب في أنَّ البعض يبدو منجذبًا إلى القناعات والبناء الأخلاقي في التقاليد والمجتمعات السلفية. وإذا أردنا فهم الجذور العميقة والمتشابكة لـ “الأيديولوجية الشريرة الوحيدة”، فإننا بحاجةٍ إلى الشجاعة، كي نناضلَ بشكلٍ جماعي من أجل الإدماج الاقتصادي والسياسي. وإلى أن يحدث ذلك، ليس من الواضح ما الذي سيتغير بالضبط.

 

اسم المقالة الأصليReligious conservatism doesn’t make a terrorist. But crime and exclusion can
الكاتبز. فارين بارفيز، Z Fareen Parvez
مكان وتاريخ النشرالغارديان، The guardian، 06/06/2017
رابط المقالةhttps://www.theguardian.com/commentisfree/2017/jun/06/religious-conservatism-terrorist-crime-exclusion-theresa-may?utm_source=esp&utm_medium=Email&utm_campaign=GU+Today+main+NEW+H+categories&utm_term=229452&subid=21764362&CMP=EMCNEWEML6619I2

 

ترجمةأحمد عيشة

 

مقالات ذات صلة

إغلاق