هموم ثقافية

بعض هموم الترجمة

في حوار حول ترجمة جديدة لمبدع أدبي إلى اللغة العربية، سبق أن ترجم مرات عدة إليها من قبل، طُرح سؤال حول مبرر الإقدام على ترجمة أخرى تضاف إلى ما سبقها. سؤال لا يمكن إلا أن يفرض نفسه بصورة عفوية، ولا سيما حين ينطلق المترجم مما يكاد يعتبره بداهة في نظره: لم تتوصل كل الترجمات السابقة إلى كنه هذا المُبدع، فكان لا بدّ من مقاربته كي يتم تلافي “الأخطاء” أو “العثرات” عبر فهم “روح” النصِّ و “عالمه”. ولكن، هل سيختلف قول أي مترجم آخر للنص ذاته عن طريقته في مقاربة النص؟ هل يستطيع أي مترجم -مهما بلغت قدراته اللغوية والثقافية- أن يزعم أن ما قام به هو القول الفصل، ولا مزيد عليه؟

من هنا، لا يمكن اعتبار مفهوم “استحالة الترجمة”، مفهومًا عابرًا، ولا تعبيرًا إنشائيًا يراد به إثارة الدهشة، بقدر ما هو مفهوم معرفي يتوسل بداية إلى وضع فعل الترجمة في إطاره الصحيح، قبل الدخول في دهاليزه نظرًا وتطبيقًا ومعنى. ذلك أنه قد يثير غضب البعض، حين يُفهم -ببعض التسرع- كما لو أنه دعوة إلى الكفِّ عن ممارسة هذا النشاط الذي لا يمكن من دونه قيام أي تواصل إنساني أو ثقافي. وقد يستدعي رفض البعض الآخر، حين يرى فيه ضربًا من سفسطة لا تصمد أمام واقع الإنجازات، في مجال الترجمة في الثقافات كلها ماضيًا وحاضرًا. لكن طائفة أخرى ممن يمارسون الترجمة يخرجون عن سكة هذا المفهوم كي يطرحوا مفهومًا آخر، مختلفًا جذريًا، غير عابئين بهذا الهمِّ المعرفي الذي شغل، مع ذلك، كل من مارس الترجمة بوصفها قراءة تجهد دون هوادة للتماهي، عبر لغة أخرى، مع نصٍ إبداعي، شعرًا أو رواية. إذ يتحدث هؤلاء في توصيف عمل المترجم، عن “فعل إبداعي” يكاد لا يعبأ هو الآخر بالنصِّ الأصلي الذي سيبدعه في لغة مختلفة. أو، بعبارة أخرى، عبر الالتفاف على “استحالة الترجمة” عمليًا، عن طريق ما سيسميه “الإبداع”، وهو ما يعني صراحة -وفي غياب أي احترام للنص الأصلي- أن المترجم سيحل محل المؤلف كليًا في قول هذا الأخير، ما دام يقوم، وهو “ينقل” هذا النصَّ إلى لغة أخرى، بفعل “إبداعي”. هذا دون الحديث عن طائفة لا تعبأ بكل هذا السجال، بينما تمارس الترجمة كيفما اتفق، بوصفها مهنة تضمن لأفرادها دخلًا معقولًا -وربما جوائز مجزية أيضًا لمن يفاجئه الحظ!- دون أي اعتبار لخطورة ما يقومون به على الصعيد الثقافي والأخلاقي.

ذلك يعكس بعض الإشكالات التي تسود، بصورة أو بأخرى، فضاءَ الترجمة اليوم وهي تتجلى لدى المترجم همومًا حقيقية، وفي الندوات أو الكتابات، موضوعًا لا تستنفذه النقاشات ولا الآراء التي يعبر عنها الفلاسفة أو النقاد، وهي -أيًا كانت طرق التعبير عنها أو المفاهيم المستخدمة لبيانها- لا تكاد تتجاوز في حقيقة الأمر العناصر المشار إليها.

على أن أي نقاش لا يعتمد الممارسة أساسًا، سيبقى محض فذلكات نظرية لا طائل من ورائها. هذا ما يضفي قيمة استثنائية على المقاربة التي قام بها أومبيرتو إيكو في الحديث عن تجارب الترجمة في كتابه “قول الشيء ذاته تقريبًا“، وعلى تجربة سبق الحديث عنها في مكان آخر، ونعني بها تلك التي عاشها ميلان كونديرا، بعد استقراره في فرنسا في سبعينيات القرن الماضي، حين اكتشف مصادفة فداحةَ الأخطاء التي ارتكبت في ترجمة رواياته الأولى إلى اللغة الفرنسية، والتي اضطر فيها إلى أن يشرف بنفسه على إعادة ترجمة هذه الروايات من ناحية، وعلى أن يحاول فيما بعد أن يتحقق قدر ما يستطيع من الكيفية التي يقارب بها مترجموه رواياته، ثم أن يكتب في أكثر من موضع، في كتبه التي كرسها لفن الرواية، عن هذه التجربة خصوصًا، وكذلك عمّا أوحت به له تأملاته في ترجمات مبدعات أخرى إلى الفرنسية، مثل تولستوي أو كافكا.

لنقدم بعض الأمثلة العملية على بعض هذه الهموم أو الإشكالات التي تثيرها الترجمة كلما كنا بصدد عمل أدبي، شعرًا أم نثرًا.

المثل الأول: تحمل إحدى روايات آلان روب غرييه عنوان (La jalousie)؛ وهي كلمة يمكن أن تستخدم في معنيين: الغيرة، أو ستارة النافذة. وقد ترجمت هذه الرواية إلى العربية فعلًا مرة تحت عنوان الغيرة ومرة أخرى (نقلًا عن الترجمة الإنكليزية) تحت عنوان ستائر النوافذ الزجاجية! وعلى أن كلمة الغيرة تبدو هي الأقرب إلى المعنى المراد، إلا أن استخدام الكلمة ذاتها ضمن الرواية بما يمكن أن يوحي بالمعنيين معًا هو ما يثير الإشكال. فهل نترجم الجملة بالفرنسية: (Il la regardait à travers la jalousie): كان ينظر إليها من خلال الغيرة، أم: كان ينظر إليها من خلال الستارة؟

المثل الثاني: في ترجمة ثروت عكاشة، لكتاب جبران خليل جبران النبي، يترجم الجملة التالية

“ A little while, a moment of rest upon the wind and another woman shall bear me”

على النحو التالي: “أجل، هنيهة، بل لحظة قصيرة أخلد فيها إلى السكينة على متن الريح، ثم تحمل بي امرأة أخرى”،

أما المترجم السوري جميل العابد، الذي ترجم الكتاب نفسه، قبل عشر سنوات، فقد ترجم الجملة نفسها على النحو التالي:

“هنيهة، لحظة راحة على جناح الريح، ويحملني رحم آخر”.

بصرف النظر عن جمالية كلٍّ من الترجمتيْن، وكذلك تباين اقتصادهما في قول الجملة الإنكليزية عربيًا، هناك تأويل مختلف في ترجمة كلمة woman: “امرأة” لدى ثروت عكاشة، و”رحم” لدى جميل العابد. والترجمة الأخيرة ترجمة غير صحيحة من ناحية، وتأويلية من ناحية أخرى، بما أنها تؤدي بالضرورة إلى التساؤل عن حق المترجم في تأويل ما لا يحتاج إلى تأويل؛ إذ، هل تقول كلمة “رحم” المرأة؟ أو، هل يمكن قصْر المرأة بوصفها كائنًا إنسانيًا على عضو من أعضاء جسدها، مهما بلغت أهميتة أو جوهريته؟

المثل الثالث: على أن الاستحالة تتجسد حين يواجه المترجم كلمة “يكمن جمالها لا في انسجام مقاطعها، بل في تداعيات المعاني التي يوقظها رنينها” كما يقول كونديرا حول كلمة (ensevelir) التي لا يمكن ترجمتها بالعربية بغير كلمة “كفّن”. وتلك مشكلة واجهتُها شخصيًا، حين كنتُ أترجم كتاب ميلان كونديرا، فن الرواية، الذي استوقفني فيه فصل يحمل عنوان سبعة وسبعون كلمة. كيف يمكن ترجمة هذه الكلمات/ المفاتيح في روايات كونديرا، من لغة تركيبية كالفرنسية التي كتب بها، إلى لغة اشتقاقية كاللغة العربية التي أترجم إليها؟ لم يكن أمامي من حلٍّ سوى اللجوء إلى وضع الأصل الفرنسي إلى جانب المقابل العربي، وإلى اختيار أقرب الكلمات إلى قول المعنى الفرنسي، والقيام، كلما اقتضت الضرورة، بشرح بعض الفروق الدقيقة التي تحول دون الترجمة العربية أن تقول ما تقوله الكلمة الفرنسية. والكلمة المختارة هنا تقدم أكثر الأمثلة بلاغة في هذا المجال. يكتب كونديرا في شرح كلمته المفتاحية المشار إليها: “يبدو لي دومًا أن كلمةensevelir  تنزع بصورة رحمانية عن أكثر الأفعال إثارة للرعب جانبه المادي المرعب. ذلك أن جذر الفعل (sevel) لا يستثير فيّ شيئًا، في حين أن رنين الكلمة يحملني على الحلم: نسغ (sève) – حرير (soie) – حواء (Eve) – إيفلين (Eveline) – مخمل (velour)؛ حجب بالحرير وبالمخمل. “فإذا كانت الترجمة الدقيقة للكلمة الفرنسية هي كلمة “كفَّن”، وهي كما نلاحظ تثير الرعب ولا تنطوي على إيحاءات الكلمة الفرنسية! فهل نستخدم هذه الكلمة، أم نضع إيحاء اللغة الفرنسية “حجْب بالحرير وبالمخمل” دون أداء المعنى المباشر؟

ذلك بعضٌ من الهموم التي لا يمكن لكل من مارس -أو يمارس- الترجمةَ إلا أن يكون مسكونًا بها. ومن ثم، فالعودة إليها، ولا سيّما عبر التجربة الشخصية أو تجارب كبار المترجمين، تبقى ضرورة لا مناص من العودة إليها مرارًا وتكرارًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق