مقالات الرأي

سقوط درعا ونهاية الأحلام

انطلقت الثورة كحراكٍ شعبيٍّ وسياسيٍّ عارمٍ، وعمّت أغلبيّة المدن الطرفيّة، ثم تعسكرت وتأسلمت وتأقلمت وتدوّلت. المدن أو البلدات والقرى التي انطلقت منها: إمّا بحالة تدميرٍ شبه كامل أو بحالةِ تهجيرٍ شبه كاملة. عودة الأهالي -إن تحققت- ستكون بإشراف النظام الذي ثاروا عليه بالتحديد. المناطق التي ظلّت خارج سيطرة النظام لا يمكن القول إنّها تمثل أيّا من أهداف الثورة في الحرية أو الكرامة أو العدالة الاجتماعية، أو أي هدف كان يصبو إليه السوريون عام 2011.

بعد القصير وحمص وحلب وو..، يأتي دور درعا، ويبدو أن شملَها في مذكرة “خفض التوتر” لا يَحميها من الهجوم الساحق الذي تتعرض له، وربما هناك صفقة تقول بإعادة انتشار قوات النظام على الحدود الأردنية وإبعاد إيران و(حزب الله) وتسليم المدينة بعد أن تتدمر وتصبح أثرًا بعد عين، وعبرة لمن يعتبر لمن يرغب بالثورة مجددًا. كيف لا، ودرعا مهد الثورة، وهي المدينة التي تحملت لأشهرٍ ضربات النظام حتى عمّت الثورة أغلبيّة البلاد.

صحيح أن كل هذه الآثار -إضافةً إلى المعتقلين والمقابر الجديدة والمهجرين والخراب ذاته- دليلٌ على حدوث الثورة، ولكن ذلك ليس دليلًا على استمراريتها. تجارب الفصائل بتنوعاتها، وليس الجهادية والسلفية منها بحسب، ليس لها أيّ أفضلية للإشادة بها، وفقًا لأهداف الثورة، ولسنا بمعرض المقارنة مع النظام. أريد القول إن افتقاد الثورة أيّ استراتيجيّة ثوريّة ناظمة للعمل الثوري، بكل مستوياته، هو أحد الأسباب المركزية لتغلّب السلفيّة والجهاديّة، والفوضى العسكريّة والتبعيّة للدول الخارجية، وتحكيم معارضة فاشلة في معاركها التاريخية ضد النظام.

الثورة -بمعناها الشعبي- فشلت بالكامل، وبقاء النظام أو إعادة فرض سيطرته لا تعني بحالٍ أنّه سيعود إلى سابق عهده، فهذه فكرة غبية بالكامل. سورية لن تعود للنظام الشمولي كما كانت؛ سورية الآن تقع تحت أشكال متعددة من الاحتلال، وأهمها وأقواها والناظم لشكل وجودها المستقبلي هم الروس والأميركان، وعلى وقع اختلافاتهما تتأزم الأمور، وعلى توافقهما تُحاصر التأزمات وتُلجم التدخلات الإقليميّة والجهاديّة. مجيء ترامب للحكم وصفقته في السعودية ما زالت مفاعيلها طيّ الكتمان في ما يتعلق بمصير سورية والعراق، بشكل رئيس.

الآن يتحدث باسم سورية نظامٌ تابع للروس وبدرجة أقل لإيران، وهناك منافسة بينهما في السيطرة عليه، ومعارضة لا تمتلك من أمرها شيئًا يذكر؛ فوجودها ليس متعلقًا بما تمثله على الأرض بل بتبعيها للدول التي تدفع لها وتفرض عليها سياساتها الإقليمية؛ وبالتالي هناك غياب كامل لأيّ رؤية وطنيّة لسورية، لدى هذين الطرفين.

محاولات العودة إلى الساحة الوطنية داخليًا وخارجيًا، وإطلاق الثورة مجدّدًا باءت بالفشل، فلم تستطع القوى الشعبية الوطنية أن تحرز موقعًا لها، وهذا مؤشر كبير على أن الثورة سُحقت بالكامل. هذه المحاولات إذًا هي محض سياسية، أي من قوى خارج النظام وخارج المعارضة الممثلة بـ (هيئة التنسيق) وانقساماتها أو (المجلس الوطني) أو (الائتلاف الوطني لقوى المعارضة) وطبعًا (هيئة التفاوض).

الصورة الآن في سورية، هي: احتلالات خارجية تُوظفُ الفصائل والنظام في معاركها على الأرض، وبما يفيد رسم مناطق نفوذ لها، وفي ذلك لا قيمة للمدنيين ولا للعسكريين السوريين. دمار سورية أو موت شبابها ليست مسائل تُفكر فيها الاحتلالات؛ الأنكى أن هذه الحروب الخارجية تؤزم العلاقات البينيّة بين السوريين، وتُسيّس الهويات الدينيّة والطائفيّة والعشائريّة والقوميّة. هذه سياسة استعماريّة بامتياز، وتسمح للاحتلالات بالبقاء أطول مدة زمنيّة، قبل أن تنشأ قوى تحرر وطني جديدة.

القوى التي يُعاد تثميرها، إضافةً إلى النظام، كقوة أمنيّة وعسكريّة واقتصاديّة، وأقسام من المعارضة ستقبل ما يُرسم لها ويُفرض عليها؛ نقول هذه كلها ستُشكل النظام القادم. ما لا يجوز بحالٍ توهمه أن النظام سيعود إلى حالته السابقة؛ فهناك قيادات أساسيّة ستُشطب وستُصفّى أقسام منها (ذكرت هذه الفكرة في مقالي الأخير في جيرون: سورية ليست على طاولة البحث) وهذا ما سيكون بوابة للتوافق الأميركي الروسي كما ذكرنا، فالوضع السوري الآن ينتظر هذا التوافق.

هل سيتم ذلك؟ بالتأكيد هنا توافقات تتعلق بأماكن الاشتباك، ومسارات الطيران ومسائل أخرى، وحينما ترفض دولة شروط الأخرى يتم التوافق عبر ضربات جوية أو أرضية محدّدة، بما يرسم خطوط السيطرة بشكل دقيق. لهذا نجد أن سقوط درعا احتمال ممكن وربما متفق عليه! و(داعش) درعا (جيش خالد ابن الوليد) سيسحق بالضرورة؛ ما سيظل للفصائل من قرى وبلدات سيكون بتوافق أميركيٍّ روسيٍّ ودون أيّ فاعلية؛ وبالتالي ستخرج شوكة درعا من “حلق” النظام وقد كانت الورقة الأقوى في تهديده! بعد درعا سيصفّي النظام حساباته مع الغوطة الشرقية، كونها المنطقة الوحيدة المتبقية في المنطقة الجنوبية، وهي بكل الأحوال تقوم بما يريده النظام بالتحديد، من خلال الصراع المفتوح بين (جيش الإسلام) و(فيلق الرحمن).

الهجوم السعودي والإماراتي على قطر، والمقاطعة شبه الكاملة هناك، سيكون لها ثمن يتعلق بتحجيم دور قطر إقليميًّا، وهذا سينعكس بالتأكيد على الأطراف المدعومة من قبلها، وبالتالي هناك ترتيبات جديدة تخص سورية؛ قد تكون نتيجة لذلك الهجوم، وبالعموم لن تكون خارج سحق (النصرة) وتقليم (جيش الإسلام) كذلك؛ مع ترامب ليس للسعودية إلا اليمن، وسورية مسألة توافق بين الدولتين العظمتين؛ وبالتالي ستسحق الأطراف المحسوبة على الدول الخارجية، بما فيها إيران.

غياب أي مؤشر على توافقٍ أميركيٍّ – روسيٍّ، ومحاولة كسب الأرض من قبل الأميركان، ولا سيما الموصل والرقة، ربما يقول ليست هناك صفقات تخص حاليًا العراق وسورية، ولكن بعد الانتهاء من الرقة ودير الزور والوصول لصيغة دقيقة تتعلق بإدلب، ربما سيطرح الموضوع السوري حينذاك، أي كموضوعٍ للنقاش؛ ربما يتقدم موضوع تصفية (حزب الله) والحل باليمن على طاولة البحث.

رسم الحدود بالنار هو ما يتم الآن في سورية. روسيا وأميركا، وعلى الرغم من التوافق حول مسائل معينة؛ فإنّها ترسم مناطق نفوذها بالحرب، وهذا يعني أن سورية أصبحت محكومة، لزمنٍ مستقبليٍّ، بالاحتلالات، سورية هذه تنتظر نشوء حركة وطنية وقوى تحرر وطني في المستقبل.

مقالات ذات صلة

إغلاق