ترجمات

صحيفة فزغلياد: أيّ “التهديدين الروسيين” أخطرُ على الولايات المتحدة الأميركية؟

الصورة: ميخائيل رينولدز/ وكالة تاس

 

بعد أن سخِر فلاديمير بوتين، خلال لقائه بقناةٍ تلفزيونيةٍ أميركية، من الحملة الجاسوسية ضد الرئيس ترامب، تحدَّث اثنان من المقربين للرئيس، هما مايكل بنس وبيكس تيليرسون، عن روسيا بنبرةً مختلفةٍ تمامًا. فهل يعني هذا اختلافًا في وجهات النظر في الإدارة الأميركية، أو أنه دور الشرطة السيِّئة والجيِّدة، أو أنه محاولة لإبعاد ترامب من الواجهة؟

تتعرض الولايات المتحدة الأميركية لنوعين من “التهديد الروسي”: تهديد داخلي وآخر خارجيّ؛ وكلاهما غير حقيقي. بقي لموعد لقاء بوتين وترامب شهرٌ واحد، وفي كلِّ الأحوال سيلتقيان قبل 7 تموز/ يوليو، عندما ستنطلق في هامبورغ أعمال قمَّة “العشرين الكبار”، وستبلغ الحملة على ترامب في “المسار الروسي” ذروتَها.

“كلُّ ما يتعلَّق بالعلاقات الروسية – الأميركية يجري في سريَّةٍ تامَّة”.

سيكون اللقاء بين الرئيسين “معركتهما الحاسمة والأخيرة” من ناحية محاولات خصوم ترامب من النخبة العالمية استخدام “الموضوع الروسي” للنيل من الرئيس الأميركي. كلُّ ما يمكن التفكير به بخصوص التأثير الروسي على الانتخابات الأميركية، وبخصوص “الروس الأشرار”، سيكون قد زُجَّ به، وستثار الموجة الجديدة يوم الخميس، أثناء جلسة الاستماع التي يعقدها الكونغرس، مع المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي.

ينتظر خصوم ترامب أن يسمعوا من كومي كيف أجبره الرئيس الأميركي على وقف التحقيق في “علاقات التشهير” لمستشار الرئيس السابق لشؤون الأمن القومي مايكل فلين، ويبدو أنَّ فلين على استعدادٍ لمهاجمة ترامب، ولكنَّ عدم كفاية الوقائع ستمنعه، وهكذا فإنَّ جرَّه إلى المحكمة، بتهمة أنَّ شهاداته السابقة تحت القسم لم تتضمَّن كلمةً عن سلوك الرئيس الرهيب.

وعلى الرغم من أنَّ الضجر قد أصاب المشاهد العادي من الحملة المتواصلة، طوال 7 أشهر حول “التدخل الروسي” و”العلاقات الروسية”، فإنَّ تخفيف الصراع غير ممكنٍ الآن. في هذه الظروف، يتوجَّب على فريق ترامب كله العملُ بكلِّ طاقته، حيث تمحَّص كلُّ كلمةٍ تقال عن روسيا، وليس المهمُ في أيِّ سياقٍ قيلت هذه الكلمة. مع أنَّ مناقشة السياسة الخارجية الروسية، “العدوان الروسي”، ليست محظورة فلن تقوم وسائل الإعلام وأعضاء الكونغرس بالاعتراض والتشهير بمن يمارسها. وهنا أيضًا، يجب معرفة الحدود، وإلا فسيظهر كلُّ فردٍ في الإدارة وكأنَّه يتحدَّث بمزاجه، وقد يحالف الرئيس نفسه.

وبالمناسبة، نجد مواقفَ لا يمكن فيها تجنُّب الحديث عن التهديد الروسي، وهذا ما شهدناه في قمَّة حلف الناتو الأخيرة في بروكسل، عندما اضطرَّ ترامب للحديث بشكل استعراضيّ عن موضوع “التهديد من جانب روسيا”. وها هو نائب الرئيس مايك بنس، في كلمته أثناء اجتماع منظمة (مجلس شمال الأطلسي) التي تهتمّ بالسياسة الخارجية للحلف، قد أكَّد للجميع أنَّ الولايات المتحدة الأميركية مستعدّةٌ للقيام بالتزاماتها في إطار الناتو، وأنها تلتزم بالمبدأ القائل إنَّ “الهجوم على أيِّ دولةٍ عضوٍ هو هجومٌ علينا جميعًا”.

من أجل الفقرة الخامسة من النظام الداخلي لحلف الناتو التي أغفلها ترامب، في كلمته أمام اجتماع الحلف، تعرض الرئيس الأميركي لانتقاداتٍ حادَّة؛ ما دفع نائبه بينس لتصحيح الوضع، مضيفًا “مع ظهور الخصوم القدامى والجدد، فإنَّ على حلفنا الاستمرار في تطوير قدراته للتصدي لتهديدات اليوم والغد، وخاصَّةً تهديد الإرهاب”. وقد عدَّد بينس تلك التهديدات: “من محاولات روسيا تغيير الحدود الدولية بالقوة، إلى محاولات إيران تقويض الاستقرار في الشرق الأوسط، إلى تهديد الإرهاب العالمي الذي يمكن أن يضرب في أيِّ وقتٍ وفي أيِّ مكان”، واعتقد أنَّه “الأخطر منذ سقوط الشيوعية، قبل ربع قرن”.

روسيا لا تحاول تغيير خريطة الحدود الدولية؛ فعملية تفكك وإعادة تجميع العالم الروسي بعد 1991 تمرُّ عبر مراحل متنوِّعة ولا يهدّد أوروبا ولا الولايات المتحدة الأميركية. وبالمناسبة، مثل هذا الخطاب الذي يتبناه قادة الولايات المتحدة الأميركية ليس مستغربًا؛ فقد كان الرئيس الأميركي أوباما هو من أطلق سياسة الحصار والعزل ضد روسيا، وهكذا يتكلم جزءٌ من النخبة التحليلية الأميركية التي تعدّ روسيا دولةً إقليمية خاسرةً، ولا يحقُّ لها الدفاع عن مصالحها القوميَّة، أمَّا أميركا فهي دولةٌ مهيمنةٌ تقود العالم.

تبدو مثل هذه الكلمات التي تصدر عن الرجل الثاني في إدارة الرئيس ترامب أكثر غرابةً، لأنَّ الرئيس نفسه عبَّر، غير مرَّةٍ، عن رغبته في تغيير سياسة بلاده الخارجية، وإخضاعها للسياسة الداخلية وليس العكس، كما كان يفعل أسلافه، عن تحديث الاقتصاد الأميركي والبنية التحتيَّة، وعن التخلي عن سياسة إملاء القيم والرغبات الأميركية، وإقامة علاقاتٍ جيدة مع الدول الرئيسة في العالم على أساس المصالح، بما في ذلك مع روسيا.

لم تكن هذه كلماتٌ فارغة أُطلقت أثناء الحملة الانتخابية: ما يحدث لترامب بعد تنصيبه، أي إن تسميم الداخل الأميركي والقلق الأوروبي يبيِّن أنَّ الرئيس الجديد غير مقبولٍ لدى النخبة الأطلسية. فترامب، مع كلِّ الضربات التي تنهال عليه، يستمر بالتأكيد على نيَّته “تسوية الأمور مع بوتين”، ويتحاشى التصريحات المعادية لروسيا. فلماذا إذًا نسمع “الأغاني القديمة” من رجلٍ كالنائب بينس؟

ليس هناك أيُّ لغزٍ

أولًا، بينس ينظر نظرةً مختلفةً إلى روسيا، وليس لهذا أي أهميَّةٍ، لأنَّ الرئيس هو من يقرر. ثانيًا، كلمات بينس، في واقع الأمر، هي تكرار، بصورةٍ أقسى، لما قاله ترامب في بروكسل لقادة النخبة الأطلسية التي أراد الرئيس طمأنتها: “كلا، أنا لا أريد تحطيم حلف الناتو، ولا أتخلَّى عن الرعاية الأميركية لأوروبا”. وعلى الرغم من أنَّ الأوربيين لا يصدقون ترامب وإدارته، فإنَّ سماع مثل هذه الكلمات يبعث الهدوء بعض الشيء.

ثالثًا، يتعامل بينس مع الجمهور الأميركي، ويُظهر لهم أنَّهم في إدارة ترامب يعدّون روسيا خطرةً، ولن تُقدَّم لها التنازلات. يجب أنْ يرى الأميركان أنَّ لديهم قائدًا، وليس عميلًا روسيًا، كما يقول معظم الإعلام، طوال نصف عام.

يتساءل الساسة الروس والنواب والمحللون: ما الذي يميِّز إدارة ترامب عن إدارة أوباما إذًا؟ عند أوباما، كان تهديد السلم العالمي يأتي من روسيا، ومن وباء (إيبولا)، ومن (داعش)، أمَّا إدارة ترامب، فمن روسيا، (داعش) وإيران. الفرق يقتصر على حذف وباء (إيبولا)!

الفارق يكمن في النوايا. فأوباما -وبشكلٍ أدق النخبة العالمية- اعتبر روسيا بالفعل مشكلةً يجب التعامل معها ويجب “معاقبتها” و “إرغامها”. ويمكن التفاهم مع روسيا، فقط، حول تلك المسائل المفيدة لأميركا: إيران مثلًا. ولكن في النهاية، أدركت إدارة أوباما أنَّها لا تستطيع إضعاف روسيا ولا عزلها. وتبيَّن للولايات المتحدة أنَّ التفاهم مع روسيا، حول مسائل تفيد أميركا، مفيدٌ لروسيا أكثر.

لم تثمر استراتيجية التعامل القديمة مع روسيا، بل على العكس ألحقت الضرر بالولايات المتحدة نفسها، وجاء ترامب لإيجاد استراتيجية جديدة بالكامل، والسير على خطٍّ جديد. وتنبع هذه الاستراتيجية من وضعٍ ناشئ جديد، يختلف جذريًا عن الوضع السابق: أي من تقوية أميركا كدولةٍ، وليس كوكيلٍ عن مصالح النخبة العالمية. ولهذا بالتحديد يمكن أنْ تجرِّب روسيا الاتفاق مع ترامب حول القضايا المهمَّة، ولهذا يترقَّب بوتين بصبر لقاءَه مع ترامب.

ولهذا -أيضًا- لم يكن مستغربًا أنْ قال الناطق الإعلامي باسم بوتين “بلا شكّ، نحن نأسف لما قاله بينس، في ما يخصّ بلادنا، ولكننا نأمل أنْ تتضح كلُّ مواقف الولايات المتحدة، وبالطبع موقف الرئيس ترامب هو ما يحدد المواقف التي ستأخذها موسكو بالحسبان”.

من نيوزلندا، قال وزير الخارجية الأميركية، ردًا على سؤال حول العلاقة مع موسكو: “طلب مني الرئيس بشكلٍ لا لبس فيه: لا تترك لما يحدث هنا (داخل الولايات المتحدة) المجالَ لإعاقة أعمالي التي عليك أنت، في هذه الظروف، توليها (مع روسيا). وأوضح الرئيس أنَّه بإمكاننا تحقيق تقدُّمٍ”.

كانت كلمات تيليرسون محدَّدةً تمامًا، إذ إن لديه التفويض بتصحيح وإقامة العلاقات مع روسيا، ويتوجَّب عليه العمل في هذا الاتجاه، دون الالتفات لما يدور في واشنطن. ومن المفهوم بالطبع، أنَّه ليس بإمكان تيليرسون عدم التأثُّر بـ “السيرك الجهنمي” حول موضوع “الروس وترامب”، خاصَّةً أنَّهم يحاولون بشتى الطرق تلويثه، فهو الحائز على ميدالية الصداقة التي قلَّده بها بوتين نفسه!

ككل الأعمال المرتبطة بالعلاقات الروسية – الأميركية، يبقى نشاط تيليرسون محاطًا بالكتمان الشديد، حيث ستُكتب -بعد مرور سنوات طويلة- الكثير من الكتب الرائعة، حول اتصالات بوتين وترامب، تماثل تلك التي كُتبت عن خروتشيف وكينيدي. بعد انتهاء هذه الهستيريا، سيتساءل كثيرون في الولايات المتحدة عن الأسباب التي أرغمت رئيسهم على اتباع كلَّ هذه السريَّة ليرتِّب لقاءً مع رئيس دولةٍ أُخرى، والأهمُّ لمَ جرى ذلك؟

وحاليًّا حتى السفير الأميركي لدى موسكو لا يعرف تفاصيل “الاتصالات السريَّة”؛ فعندما سألت وسائل الإعلام السفير عن الاتفاق حول لقاء بوتين وترامب، أجاب فورًا: “لا شيء من هذا القبيل. ليس هناك اتفاقٌ حتى الآن”. وحتى لم يُتَّخذ القرار بشأن لقاء بوتين وترامب على خلفية قمّة العشرين في هامبورغ: “هذه إشاعات. حتى الآن لم يتقرر شيء”، هذا ما قاله السفير. مع أنَّ الجميع يعرف أن مكتب الكرملين الإعلامي قال إنَّ الرئيسين أكَّدا، في اتصالٍ هاتفي جرى بينهما قبل شهر، على “تنظيم لقاء خاص على هامش القمة في هامبورغ 7-8 تموز القادم”.

حتى عن عقد اللقاء، بإمكان الموظفين الروس والأميركيين أن يقولوا ما يحلو لهم. الشيء المهمّ سيكون ما يفعله الرئيسان. الفعل وليس القول هو المهمّ.

 

اسم المقالة الأصليةКакая из двух «русских угроз» опасней для США?
كاتب المقالةبيتر أكوبوف
مكان وتاريخ النشرصحيفة فزغلياد. 7 أيار 2017
رابط المقالة https://www.vz.ru/politics/2017/6/7/873528.html
اسم المترجمسمير رمان

مقالات ذات صلة

إغلاق