قضايا المجتمع

فن ملتزم.. لكن بماذا؟

تميل الشعوب المقهورة، بعض الأحيان، تعبيرًا عن مواجهة معاناتها وقهرها، إلى تداول النكتة السياسية، أو الهروب إلى متابعة بعض الفنون التي تتكلم نيابة عنها، خاصة الأغنية التي يستساغ سماعها وترديدها على مدار الساعة دونما ملل؛ وهو ما جعل الأغنية السياسية التي لامست قضايا الناس وهمومها، تسود خلال العقود الماضية.

لعل أبرز المغنين الملتزمين في تلك المرحلة هو الفنان مارسيل خليفة الذي لحّن وغنّى عدة قصائد لشعراء فلسطينيين ولبنانيين، أهمهم الشاعر محمود درويش، حتى بات اسماهما مرتبطين معًا، وأصبح خليفة المغني الملتزم بالقضية الفلسطينية.

كذلك برز الفنان زياد الرحباني، بما قدمه من فن ساخر يحاكي مشاعر المظلومين، في فترة كان فيها المد اليساري في أوجه، حين كان اليسار يطرح مشروعه، معتبرًا نفسه نصير الشعوب ضد الدكتاتوريات.

لكن ومع تدفق الناس في دول عدة إلى الشوارع لإسقاط الأنظمة الدكتاتورية الحاكمة، كان لأولئك الفنانين موقف آخر، لعلهم كانوا صورة تختصر معظم الأحزاب التي ينتمون إليها، والتي اختارت، بعد ثورات الربيع العربي بما واجهته وكُتِب لها من تعثر، أن تكون مناصرةً للدكتاتوريات، وأن تقف في وجه حركة الشعوب بتبريرات لا معنى لها، فها هم يستنكرون -أحزابًا وأفرادًا- على الشعوب حريتها وكسرها أغلال العبودية التي لطالما تغنوا بها، لفترات طويلة كشعارات وعناوين مؤتمرات فحسب.

يرى الفنان السوري وائل نور أن “الفن الملتزم الذي ظهر في أواخر القرن الماضي كان مرتهنًا بشخوصه أيضًا للأحزاب اليسارية المعارضة للحكومات الديكتاتورية التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية”.

ارتبطت أسماء الفنانين الملتزمين في أذهان الناس بمناصرة الحريات وحق الشعوب بتقرير مصيرها، وكانت معظم أعمالهم تأتي في هذا السياق المتلهف للخلاص من الطغيان، وينفرد الفنان سميح شقير بالوقوف مبكرًا مع ثورة أبناء بلده، استكمالًا لتاريخ فني، حاكى من خلاله قضايا الناس وهمومها، في كل مكان، وليس في سورية فحسب.

يقول الفنان نور لـ(جيرون): “سابقًا وعلى الرغم من وجود مساحة ضيقة جدًا لطرح جزء من الحقيقة، إلا أنها -حينذاك- كانت كافية لتلاقي صدى واسعًا لدى الناس، حيث كان الفن الملتزم يلامس تطلعاتها نحو الحرية في ظل حكومات شمولية، كانت تلبس قناع الانشغال بالمصلحة العامة وهموم الناس”.

لا شك أن الكثير من الفنانين الملتزمين عانى من تلك السلطات أو بعضها، حيث كانت أعماله تخضع للمراقبة، بل إن منهم من كان يُمنع من دخول بعض الدول العربية؛ بسبب آرائه ومواقفه المؤيدة للشعوب وحقوقها، لأنهم يملكون قدرًا من التأثير على الجمهور، وهذا ما كانت تخشاه الأنظمة، وكانت تحظر كثيرًا من نتاجهم؛ فيتداولها الناس سرًا.

انتظر كثير من السوريين الذين أحبوا أغاني مارسيل خليفة وحفظوها، بل تابعوا بشغف حفلاته بين سورية ولبنان، انتظروا منه موقفًا مناصرًا لثورتهم، لكنه لم يعبّر عن تضامنه مع الشعب السوري إلا بمشاركة يتيمة في بيروت بما سمي وقفة الشموع، وكان ذلك في بداية الثورة ولم يتبعها إلا بزيارة لأحد مخيمات اللجوء السورية في لبنان، وهي زيارة لا تسمن ولا تغني عن جوع، حيث إن تلك الزيارات تسلط الضوء على النجم القائم بها أكثر مما تولي اهتمامًا بـ “نزلاء” تلك المخيمات.

في حين كانت خيبة أملهم كبيرة جدًا عقب تصريحات زياد الرحباني الموالية للنظام السوري، -بعد أن كان من أشد منتقديه يومًا- ومن قبلها ولاؤه لـ “حزب الله”، حين عبر عن تأييده له بالتحاقه بجمهور الحزب أثناء اعتصامه في بيروت عام 2005 عقب اغتيال رفيق الحريري.

وفي ذلك يرى نور: “أن المتلقي العربي فقد ثقته بالفن والفنانين الملتزمين أولئك، حيث انقلب ارتهانهم لجهات أخرى تحمي عروشهم الفنية، وهي أصلًا أكثر سوءًا بل جهات مجرمة لا تهمها مصالح الشعوب أبدًا”.

لطالما ظن محبو أولئك الفنانين أنهم قريبون منهم وأنهم يعرفون بعضهم لشدة ارتباطهم وتعلقهم بأغانيهم ولما كانت تتركه من أثر جميل في نفوسهم، ولطالما أدت الأغنية السياسية والوطنية دورًا مهمًا في الصراعات والحروب، حيث عدّت سلاحًا آخر رديفًا لسلاح المعركة الحقيقي، بل ربما أقوى من حيث تأثيره على كافة شرائح الشعب، في وقت لا يستطيع حملَ السلاح إلا فئة قليلة منه.

تأتي أهمية الأغنية الملتزمة في ما تحمله من كلمات بسيطة ولحن خاص يدخلان بشكل انسيابي وسلس نفوسَ الناس أولئك الذين لا يريدون من الحدث إلا خبرًا وجملة حماسية، ترفع معنوياتهم، وتستنهض هممهم بعيدًا عن منطق التحليل السياسي وفلسفة الأحداث.

يرى الفنان وائل نور أن “الفنان الملتزم يدرك اليوم جيدًا بنية الصراع، لكن المشكلة تكمن في احتياج الناس لمادة فنية تغذي الرغبات والمتع الحسية لديها، وهنا يصطدم الفنانون المعنيون بتقديم مادة غنية، تكون مرآة الناس لكشف الحقيقة، بواقع الحياة بكوارثها المفتعلة من قبل رجال السياسة”.

تبقى رغبة الانعتاق من الظلم لدى الناس هي المحرك الأساسي لمشاعرها وتوجه عواطفها نحو ما يلامس تطلعاتها، وفي الواقع هناك مواد فنية دخلت قلوب الناس ولامست شغافها، وأصبحت أيقونات، أضافت لرصيد أصحابها الكثير من المجد، فالشعوب المقهورة تستجدي العون والمؤازرة، ولو كان بالكلام والتعابير.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق