مقالات الرأي

نصف قرن على الهزيمة الحزيرانية

لم يكن على خطأ حزبُ العمال الثوري العربي، عندما أعلن، في كراسه الشهير (هزيمة الخامس من حزيران، أسبابها ونتائجها)، أنّ الحرب العربية – الإسرائيلية هي هزيمة، وليست نكسة، كما أسمتها الأنظمة العربية وأحزابها من يمينها ومن يسارها، فما حدث في الخامس من حزيران/ يونيو 1967 كان هزيمة كارثية أشبه بـ “تسونامي”، ففي صبيحة ذلك اليوم استفاقت المنطقة، في أيام الحرب الستة، على تسونامي مرعب، إذ استطاعت تلك الدولة العبرية التي كانوا يسمونها الدولة المسخ، وقليلة العدد بالمقارنة مع المنطقة العربية، أن تجتاح أراضي أربع دول، وتمزق جيوشها.

في صبيحة ذاك اليوم، قدمت “إسرائيل” إلى العرب فاتورة حساب، حين كشفت عورةَ هذه الأنظمة التي كانت تستعرض جيوشها، في شوارع القاهرة ودمشق وعمان، وغيرها من العواصم العربية، وأظهرت أن هذه الجيوش ليست جيوشًا مقاتلة، لذا كان الانهيار في البداية في مصر، ثم تلتها الأردن وفي النهاية سورية. ليس هذا فحسب، بل أيضًا أثبتت الهزيمة بأن هيكلية الدولة كانت هيكلية هشة غير حداثية، وبالطبع غير ديمقراطية.

كيف انعكست هذه الهزيمة على المنطقة؟ سؤال يُطرح ولم يوجد له جواب حتى يومنا هذا، ذلك لأن مسببي تلك الهزيمة ما زالوا هم الحكام، ولم يتعلموا أي درس من الهزيمة، بل استمروا بأوهام كانت وبالًا على شعوبهم، وما نحن فيه اليوم هو استمرار لهزيمة تلك الأنظمة التي ما تزال تكابر وتسحق وتُرهب شعوبها، دون أن تُحَدّث دولها، بل أكثر من ذلك فقد حوّلتها إلى دول فاشلة، ولنا في سورية والعراق خيرُ دليل، حيث تحولت الدولة كلّها إلى أجهزة أمنية، مهمتها الأساسية نهب اقتصاد البلد، وقمع الناس بطرق مُرعِبة.

في تلك الفترة ذاتها تقريبًا كانت الحرب الهندية – الباكستانية، حيث استطاعت الهند أن تهزم باكستان بطريقة اهتزازية، حين فصلت باكستان الشرقية عن شطرها الغربي، لتكون منها ما هو معروف اليوم بـ “بنغلاديش”، ولكن النظام الباكستاني المُنهار، برئاسة الماريشال أيوب خان، قدّم استقالته، وانسحب من الحياة السياسية، ليسلّم الحكم إلى الزعيم الشعبي الراحل محمد علي بوتو الذي لملم جراح الباكستان، وأراد أن يُحوّلها نحو الديموقراطية، ولكن العسكر ودوائر الاستخبارات الغربية أنهت حكمه بطريقة مأسوية.

في المنطقة العربية كانت الهزيمة متشابهة، ولكن أنظمتنا وإعلامها أخذ يتوهم النصر ويفلسفه، حتى إن النظام البعثي في سورية طلع علينا بنظرية غريبة عجيبة، هي أن سورية لم تنهزم، إذ إنها فقدت الأرض أرض الجولان فحسب!، ولكن النظام بقي سليمًا، وهذا هو المهم. ليس هذا فحسب، فمن سلّم الجولان، وأعلن عن سقوط القنيطرة، والجيش الإسرائيلي كان ما يزال في سهل الحولة، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، تحكّم بمصير سورية مدة ثلاثين عامًا، ليورث ابنه “المعتوه” بشار الأسد الذي ألغى السيادة الوطنية السورية، واضعًا إياها تحت الاستعمار: الإيراني، الروسي، الداعشي، الحالشي. النظام السياسي العربي كان يجب أن يسقط فور انكشاف هزيمته. وحدَها “إسرائيل” استفادت من الهزيمة، حيث حولت الجولان إلى مناطق منتجة، بعد أن كانت في زمن نظام الهزيمة عبارة عن جبهة عسكرية، ويا ليتها كانت جبهة فعلية، هذا في سورية؛ أما في مصر فقد استغلت نفطها وغازها الموجود في سيناء، ولم يستفد النظام السياسي المنهار أيضًا من الهزيمة، وظلّ يحكم مصر بالأحكام العرفية، وينهب خيراتها.

أما النظام العالمي، فقد عمل على تَفسخ دول المنطقة، حيث عشعش الفساد، والمحسوبية والبطالة المقنعة من خلال أحزاب السُلطة التي تُصرف عليها الملايين، دون أن تكون منتجة، هذا النظام العالمي اليوم يحصد نتاج سياسته بعد الهزيمة الحزيرانية، وها هو ينهب المنطقة، بعد أن استطاع أن يُحوّل انتصارات شعوب المنطقة التي أسقطت أنظمتها القمعية، من تونس إلى مصر إلى ليبيا وصولًا إلى سورية واليمن، إلى هزيمة؛ ليعيد ويؤهل النظام القديم ويسلمه مقاليد السلطة من جديد، (نظام السيسي نموذجًا).

هناك مقولة لإلياس مرقص، يقول فيها إن هناك علاقة جدلية بين الداخل والخارج، إذا كان الداخل قويًا ومتماسكًا، فالخارج مجبرٌ على الانفتاح عليه، أما إذا كان الداخل ضعيفًا ومهلهلًا، فمن الممكن أن يعمل الخارج به ما يشاء، (النظام السوري نموذجًا)، فضعف النظام هو الذي أعطى الفرصة للخارج أن يُحقق مصالحه، على حساب مكونات الشعب السوري.

عندما درس ياسين الحافظ الهزيمةَ ولاعقلانية السياسة العربية، خرج بمقولته الشهيرة: “عندما تهزم الضفدعة الفيل، فليس الضفدعة هي القوية بل الفيل هو الضعيف”. نعم هُزمنا في الخامس من حزيران/ يونيو، وما زلنا نُهزم، حيث خرجت الطائفية من قمقمها، وهي إن عادت إليه تعود بعد تحقيق الدول المدنية والديمقراطية، ولكن الثمن غالٍ وندفعه منذ نصف قرن.

مقالات ذات صلة

إغلاق