أدب وفنون

الأسير المحرّر عصمت منصور: أدب السجون يتحدى زنازين الاحتلال

 

  • الالتزام يساهم في إغناء النصّ وإعطائه أبعادًا أخرى

شهد اليوم الأول لملتقى الرواية العربيّة، في نسخته الأولى في رام الله مؤخرًا، إطلاقَ رواية الأسير المحكوم ثلاثة مؤبدات، في معتقلات الاحتلال الإسرائيليّ، الأسير باسم خندقجي، الموسومة بـ (نرجس العزلة)، كتأكيد فلسطينيّ على أهمية “أدب السجون”، في زمن دقيق جدًا، حيث نظمّ أكثر من 1600 أسير فلسطيني إضرابًا عن الطعام في زنازين الاحتلال، بدأ في السابع عشر من نيسان/ أبريل الماضي، واستمر 41 يومًا. وبهذه المناسبة حاورت شبكة (جيرون) الأسير المحرّر الروائي عصمت منصور الذي قضى في سجون الاحتلال عشرين عامًا، كتب خلالها روايتين ومجموعة قصصيّة.

اعتُقل عصمت منصور، من قِبل قوّات الاحتلال عام 1993، وهو في سن السابعة عشرة، بتهمة المشاركة في قتل مستوطن إسرائيليّ، لمبادلته بأسرى؛ فحكم عليه بالسجن مدة 22 عامًا، أمضى منها عشرين عامًا. صدر له عام 2011، وهو في سجن بئر السبع، باكورة أعماله الروائية الموسومة بـ (سجن السجن) عن وزارة الثقافة، رام الله، وفي العام 2012 صدرت له مجموعة قصصيّة بعنوان (فضاء مغلق) عن دار أوغاريت، وقبل خروجه من المعتقل، في العام 2013، صدرت روايته الثانية (السلك) عن دار الرصيف.

 

 

أسألك بداية، هل يمكن قراءة واقع الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيليّ من خلال ما يكتبونه، والذي اصطلح على تسميته بـ “أدب السجون”؟

يمكن لأدب السجون وقصص الأسرى وإبداعاتهم أن تعطي القارئ صورة عن الأسر وحياة الأسرى والتعرف على واقعهم من خلاله، شرط أن يكون هذا الأدب متقنًا وعميقًا وحقيقيًا، لأنّ هناك خشيّة أن يشوه هذا الأدب واقعَ الأسرى، إذا ما قُرئ قراءة خاطئة؛ أو عُرض بصورة سطحية. ما حدث أننا -ولسنوات- كنا نتغنى بالأسر ونعلي من شأن الأسير، ولا نذكر معاناته، ونعتبر الحديث عنها وكأن في ذلك انتقاصًا من صورته الأسطورية، ومن بطولته، بمفهومها الجسدي والمعنوي؛ وهذا جعل الانطباع يتولد في الوعي المجتمعيّ وكأن الأسرى لا يعانون ولا يتألمون، وبالتالي لا حاجة لمساندتهم والوقوف معهم أو إبراز آلامهم للعالم.

هذا مثال على الدور السلبيّ الذي يمكن للأدب أن يلعبه، خصوصًا أن الكتابة هي صورة تولد الانطباعات التي يصعب تغييرها بعد ذلك، وهي المنفذ الوحيد لرسم لوحة كاملة عن هذا العالم.

كيف هي الحياة الثقافيّة داخل معتقلات الاحتلال، قبل وبعد اتفاق أوسلو؟ وما نوعيّة الكتب التي يقرؤها المعتقلون؟

الحياة الثقافيّة داخل المعتقلات، قبل اتفاق أوسلو 1993، كانت زاخرة بالنشاط والحيوية، فقد كان هناك مجلات ومسابقات شعريّة وأدبيّة، وبرزت أسماء كبيرة في المشهد الثقافيّ الفلسطينيّ، تلقت ثقافتها داخل المعتقلات، من مفكّرين وكتّاب وشعراء وفنّانين تشكيليّين وقاصين ومترجمين إلى كافة اللغات وغيرهم.

أما عن نوعيّة الكتب فالأولوية كانت تعطى للقضيّة الفلسطينيّة وتاريخها وإنتاجها الثقافيّ والفكريّ والأدبيّ، ثمّ للأدب والتاريخ العربيّ والثورات العربيّة والعالميّة ورموزها، وكان هناك انفتاح على الأدب والثقافة العالميّة، ومعظم القراءات كانت في البداية توجه نحو التعبئة والتصلب، ومنها إلى التثقيف والانفتاح على التجارب الأخرى، وتطوير الرؤية الإنسانيّة والثقافيّة لدى الأسير. أجواء ومناخ الأسر كان داعمًا للثقافة والتثقيف والإبداع، ووفر تربة خصبة للأسير، كي يتطور ويصبح قادرًا على حمل وتمثيل قضيّته.

لنتوقف عند روايتك الأخيرة (السلك). حدثنا عنها.

رواية (السلك) هي آخر عمل أدبيّ كتبته، وأنا في الأسر، وقد صدرت بعد تحرّريّ، ولكن منذ أن تحرّرت لم أكتب، وهذا ليس لأنّي عازف عن الكتابة، بل لأن الفترة الزمنيّة الطويلة التي عشتها في الأسر والانتقال بعدها إلى الحرّيّة، تشعرني -حتى اللحظة- بعدم الاستقرار، وبأنّي ما زلت أتعرف على الواقع الجديد وأحاول تفكيك بديهياته التي تظهر لي كألغاز، طول الفترة في الأسر، تجعل بيننا كأسرى لغة خاصّة وسريّة، وهذا باعتقادي ينطبق على الحياة في الخارج.

السلك

إثر صدور هذه الرواية تلقيتَ رسالة من جهة غير معلومة، تطالبك بحرق كل نسخ الرواية وإلا فستُحرق أنت! ما هي تفاصيل هذه الحادثة؟ وكيف انتهت القصّة؟

الرواية كانت صادمة للكثيرين، سواء في موضوعها أو أسلوبها، فقد صورت الحالة الفلسطينيّة المفككة والآخذة في التفتت، عبر رحلة البطل من قطاع غزة إلى الضفة، وصولًا إلى أراضي الداخل المحتل والعودة إلى غزة. لا أعرف مَن وجّه التهديد ولا ما هي أسبابه، لكن يبدو أن أحدهم لم يعجبه الحديث عن أخطاء حركة (حماس)، والحالة التي نشأت بعد استلامها للسلطة في غزة، والتركيز على تجارة الأنفاق والتعذيب وغيرها من الممارسات.

حينئذ توجهت إلى النيابة العامّة الفلسطينيّة في رام الله، وتقدمت بشكوى، ولكن –للأسف- التحقيق لم يسفر عن أيّ نتيجة، ولم يتكرر هذا التهديد أيضًا، فلم آخذه على محمل الجد ولم يؤثر على موقفي.

عن الأدب الحقيقيّ والمثقّف المشتبك

يبدأ الكاتب الشاب عادةً بكتابة القصص القصيرة ومن ثم يتجه لكتابة الرواية، لكنك فعلت عكس ذلك، ما هي الأسباب؟

لقد كتبت ونشرت أكثر من قصّة قصيرة، قبل أن أكتب روايتي الأولى (سجن السجن)، لكنها كانت جميعها محاولات أوليّة، ولم يكن لدي الجرأة ولا الثقة لنشرها في كتاب أو مجموعة خاصّة. كنت أكتب لنفسي وأقرأ لزملائي في الزنزانة ما أكتبه، وبعد ذلك أقوم بتمزيقه دون أسف، على الرغم من أنه كان يلقى استحسان الزملاء الأسرى. كنت مصرًا أن تكون كتابتي مميزة، وألا أنشر إلا عندما أشعر أنّي أكتب بأسلوب مختلف. بعد ذلك بدأت أنشر في مجلات المُعتقل الداخليّة، وأرصد ردات الأفعال من الجمهور الذي يمكن النظر إليه كنخبة، وكمادة للقصص أيضًا، وعندما وجدت أن الكل يشجعني، بدأت أنشر في الصحف الفلسطينيّة المحليّة، إلى أن قررت كتابة رواية، لأنّي  منحاز لهذا الجنس الأدبيّ، وشعرت أن موضوعًا كهذا (العزل الانفرادي) لن تعبر عنه قصّة قصيرة أو حتى مجموعة قصصيّة، بل يحتاج إلى مساحة أوسع في التعبير والشخصيّات والمدى الزمني، بعكس مجموعتي القصصيّة (فضاء مغلق) التي تتحدث عن اللحظة الرماديّة الغامضة التي لا يعود فيها الأسير أسيرًا، ولا يعود فيها الأهل أحرارًا، وأقصد هنا لحظة الزيارة داخل السجن، في هذه اللحظة يخرج الأسير من عالمه لساعة، كما تدخل عائلة الأسير في الآن ذاته -نفسيًا وجسديًا- إلى السجن، وهنا تختلط الأمور ويتصرف كل منهم بطريقة مختلفة، وهذا ما رصدته في عملي.

سجن السجن

إلى أيّ مدى يمكن أن يساهم الالتزام السياسي بفكر أو قضيّة ما، على الناحية الجماليّة أو الفنيّة للعمل الإبداعيّ، خاصّة أن هناك نقادًا يتهمون “النصّ الفلسطينيّ” بأنه مباشر وانفعاليّ؟

الالتزام السياسيّ -بحد ذاته- لا يجب أن يؤثر على مستوى النصّ وجماليته، ربما العكس تمامًا، حيث إن الالتزام والانطلاق من قاعدة فكريّة وقضيّة كبرى وموقف اجتماعي تقدّميّ؛ يساهم في إغناء النصّ وإعطائه أبعادًا أخرى، لكن هذا مرهون بألا يتحوّل الموقف والالتزام إلى رقيب وسيف مسلط على قلم المبدع، ويحوّله إلى داعية ومنظر للفكرة. الأدب الملتزم أثبت أنه أدب حقيقيّ. والالتزام، وتبني موقف ومنظومة قيميّة وأخلاقيّة، يعطي الأدب صدقيّة أكبر. غسّان كنفاني ومحمود درويش وناجي العلي وعشرات المبدعين الفلسطينيّين في مختلف المجالات، لم يتخلوا عن التزامهم بالقضيّة الفلسطينيّة، ولكنهم -أيضًا- لم يتخلوا عن التزامهم بالإبداع وشروطه، أعتقد أنّ الحكم بهذا التعميم سطحي وغير علمي.

برأيك ما الذي يمكن أن يقدمه الكتّاب والشعراء الفلسطينيّون لنصرة الأسرى الذين يصرون على أنّ الكرامة والحرّيّة أولاً وقبل أيّ شيء؟

لقد عشنا فترة الإضراب كتجربة جميلة ومعبرة، عندما دعت مجموعة من الكتّاب والشعراء والفنّانين، في مقدمتهم وزير الثقافة الشاعر إيهاب بسيسو، إلى عقد أمسية أدبيّة في خيمة الاعتصام في رام الله الشهر الماضي، لنصرة ومساندة الأسرى في معركة الكرامة والحرّيّة، وكان لي شرف أن أقرأ نصًا من رواية (سجن السجن) أمام عائلات الأسرى والمتضامنين معهم، هذه اللفتة لها دلالات كبيرة ومهمة للأسرى وللثقافة ودور المثقّفين الذي يمكن أن يبدأ من الإبداع، وأن يصل إلى الاشتباك المباشر والالتحام في المعركة، كما عبر عنه الشهيد باسل الأعرج.

يمكن للمثقّف أن يساهم بالكتابة والتعريف بالأسرى ونضالهم الذي يخوضونه، واستقطاب كتّاب عالميّين وعرب للتضامن معهم وفضح “إسرائيل”، من دون أن يعفيه ذلك من الاشتباك والمساهمة الفعليّة من موقعة كمثقّف ومبدع.

ما هي الرسالة التي توجهها من موقعك للأسرى الذين أضربوا عن الطعام، وخاضوا معركة الأمعاء الخاوية ضد المحتل على مدار 41 يومًا؟

أقول لإخوتي ورفاق دربي الأسرى: إنّ إضرابكم الذي استمر مدة 41 يومًا أذهل العالم، كما جمع وأعاد إحياء روح شعبنا المقاومة والموحدة، وقد كان التجاوب مع دعوات التضامن معهم منقطع النظير، ولم يتوقعه كثيرون ممن سارعوا لرثاء روح شعبنا الثوريّة. وأقول لأسرانا إنّكم لا زلتم كما كنتم محط إجماع شعبيّ، وستبقون الحلقة الصلبة التي تمسك زمام المبادرة وتوجه البوصلة إلى وجهتها الصحيحة، أنتم -حتمًا- منتصرون دومًا على عدوكم وسجانكم.

أخيرًا، بعد روايتين ومجموعة قصصيّة؛ ماذا ينتظر قراء عصمت منصور في الأيام المقبلة؟

منذ تحرريّ من الأسر، قبل ثلاث سنوات وحتى الآن، ما زلت مشغولًا في التعرف على عصمت الآخر، وعلى العالم الجديد الذي وجدت نفسي فيه -دون مقدمات- وعلى أن أقيم علاقة معه. ما زلت أحتاج بعض الوقت كي أمتلئ بهذا العالم الجديد، حتى يفيض منيّ ما يمكن أن أكتبه عنه، ما زالت الدهشة تصيبيني كل يوم من جديد، وأنا -فعليًّا- أكتب بيني وبين نفسي كل يوم، ولكن حتى الآن لا أشعر أنّي جاهز للكتابة.

بكل تأكيد سوف أكتب ولن أتوقف، فهذا هو مشروعي الأساس، وهذه هي أداتي الأولى، ولكن حتى يكون ما سأكتبه جديرًا بتجربتي وتوقعات الناس مني، ما زال يلزمني وقت إضافي، من المشاهدة والاختلاط والقراءة وتكوين انطباعات عميقة عن الواقع وتعقيداته.

يغريني أن أكتب عن الأسير بعد الأسر، بالجرأة نفسها التي كتبت بها عنه، وهو داخل المُعتقل، وعن الحياة الجديدة التي يعيشها الأسير بين عالمين، لم يعد ينتمي لأيّ منهما، فهو خارج عالم الأسر جسديًا، وما زال أسير ذكرياته ووجدانه، وهذا موضوع متروك للزمن.

مقالات ذات صلة

إغلاق