أدب وفنون

“لوين رايحين!؟”

عشية حرب تشرين/ أكتوبر، كنا ثلّة أصدقاء صغيرة في الجامعة. نشتعل حماسةً لغسل عار هزيمة حزيران، وإعادة الاعتبار لكرامة شعوبنا. تطوعنا في الدفاع المدني، لمساعدة الجرحى في المشافي. ذهبنا في إحدى الليالي إلى بيت صديق، للترويح عن أنفسنا من عناء النهار، ووطأة ما نشاهده من حالات صعبة في المشافي؛ سرقَنا الوقت، ونحن نتبادل الحديث، ونحلّل أخبار الحرب التي كانت مبشّرة في بدايتها. خرجنا من بيت صديقنا، نحو الساعة الحادية عشر ليلًا. كان الظلام والصمت يخيّمان على الشوارع، وكنا أربعة أشخاص، سرنا في الطريق، ريثما نجد وسيلة مواصلات. فجأةً سمعنا صراخًا آمرًا: قف مكانك، لا تتحرّك!

وإذ بعنصر مسلّح يوجه بندقيته الروسية إلى صدورنا!!

سأل: ” لوين.؟ لوين رايحين”؟!

قلنا: إلى بيوتنا…

قال: امشوا بهدوء، بدون ضجّة وحكي.

أخطأ أحدنا وسأله ساخرًا: يعني كيف بدك نمشي؟!

لا نعرف بعدها، كيف انبثقت من العتمة غابة بنادق أحاطت بنا من كل الجهات. ساقونا إلى مبنى، تبيّن أنه كنيسة، حوّلوها إلى مفرزة أمنية. أخذوا هوياتنا، مع الركل والصفع والشتائم المقذعة، وبدؤوا التحقيق معنا.

أين كنتم، وماذا تفعلون في هذا الوقت المتأخر، وأسئلة سخيفة أخرى؟!

نظر المسؤول إلى هويتي وقال: فلسطيني يا ابن …. بدل ما تكون بالجبهة قاعد عم……، وانهال عليّ بالضرب. أعطى أوامره لعناصره بحلق شعرنا على الصفر، ومن ثم تركنا.

لم ينطق أي واحد منا حرفًا واحدًا، بعد خروجنا. أكملنا سيرنا بصمت جارح، إلى أن تفرقنا مُذلّين، مُهانين، مقهورين. لا أنسى تلك الحادثة ما حييت، ولا أعتقد أن أحدًا من أصدقائي سوف ينساها.

التقيت في سجون المخابرات السورية في الثمانينات، برجل فلسطيني عجوز. كان راعيًا للأغنام، منذ فتوته المبكرّة، هاجر بعد نكبة عام 1948 إلى الجولان مع عائلته، ونزح بعد هزيمة حزيران إلى دمشق. كان -بحكم عمله- يعرف الأرض شبرًا شبرًا -كما يُقال-. تطوّع مع المقاومة الفلسطينية، وكان دليلًا للشباب أثناء العمليات الفدائية التي انطلقت بعد هزيمة حزيران. زُجّ بهذا الرجل النبيل الصلب، سنوات طويلة في سجون النظام السوري؛ تهمته هي: تلك الخبرة التي يخشون أن تخترق سياجهم الأمني الحامي لخطوط العدو.

اعتُقلت في العام 1982 أثناء حصار بيروت، من قِبل استخبارات أمن الدولة بدمشق. كنت حينئذ قد غادرت حزب العمل الشيوعي، واقتربت من المقاومة الفلسطينية، وبدأت العمل في مجلة (الهدف) الفلسطينية. لعلي كنت أخادع نفسي آنذاك. صحيح أنني بالحدس لا أفصل بين سوريتي وفلسطينيتي، فهما في الجوهر واحد، لكن ربما تركت الحزب خوفًا من الاعتقال مرّة ثانية، بعد تجربتي الأليمة السابقة، أو لشعوري بأنني لست رجل سياسة. المهم، على الرغم من كل تلك المخاوف اعتُقلت للمرة الثانية. تأكدوا، بعد شهر من التحقيق، أنني لم أعد على علاقة بحزب العمل؛ فصدر قرار بإخلاء سبيلي، وأعادوني إلى الفرع الذي اعتقلني بدايةً لإخلاء سبيلي، لكنه لم يفعل. وضعوني في زنزانة، وبدأت معي مساومات، استمرت شهرًا كاملًا. مارسوا خلاله كل أشكال الضغط، والتعذيب النفسي. أرادوا أن أصبح مخبرًا لهم، مقابل الإفراج عني. لا أدعي الشجاعة، ولا البطولة؛ إذ عشت -على الرغم من رفضي- صراعًا نفسيًا فظيعًا. كان يجفّ حلقي، وتتقصف ركبي، بل كدت أنهار، وأقبل المساومة في بعض لحظات الضعف.

كنت أقول لنفسي: لا تكن ساذجًا. اقبل شكليًا، وبعد أن تخرج، بإمكانك أن تهرب خارج البلد! ثم أعود وأنتفض ضد ضعفي.

أقول: إذا بعت نفسي للشيطان مرّة واحدة، لن أنهض من الهاوية. المسألة ليست موقفًا سياسيًا.. هي قضية كرامة. إذا خسرتها، فسأخسر ذاتي للأبد.

استدعاني المحقق في إحدى الليالي، بمنتصف الليل. كنا نسمع أصوات إطلاق رصاص غزير في الخارج؛ قال لي، وابتسامة صفراوية ترتسم على وجهه: “شو بعدك راكب راسك؟ هاي جماعتك صاروا عندنا. جورج حبش وأعوانه طلعوا من بيروت وجاؤوا إلى هنا”.

لم أجب بشيء. كان يتراءى لي وجهه، وهو يتطاول، وينتفخ، وعيناه تجحظان. لم أر أمامي صورة آدمي، بل صورة شيطان قبيحة، يتلذّذ في تعذيبي، وإخافتي.

أضاف: “أكيد هلق في بين هؤلاء عملاء لإسرائيل. أنت إنسان وطني. صحفي. سمعتك طيبة… نريد منك إذا اكتشفت جاسوسًا بينهم أن تخبرنا!”.

قلت: هذا لا يحتاج إلى تعامل معكم. أكيد أنا، أو أي إنسان وطني “ما رح” يتستر على جاسوس، إذا اكتشف أمره.

انتفض صارخًا في وجهي: “أنت مانك وطني. لو كنت وطني، كنت خدمت هاد الوطن يلي عشت، وتربيت فيه”، ثم ضغط على الجرس؛ فجاء الحرس، وقال لهم: خذوووه!

بعد عدة أيام نقلوني إلى سجن إدارة المخابرات العامة. بقيت هناك نحو ست سنوات، ثم نقلوني إلى سجن تدمر، وبعد سنة، إلى سجن صيدنايا. أخلوا سبيلي بعد تسع سنوات!

القصة بدأت مع ذلك المسلّح الذي وجه بندقيته الروسية إلى صدورنا وسألنا: “لوين رايحين!؟”، ولم تنته حتى الآن.

مقالات ذات صلة

إغلاق