هموم ثقافية

الذل آمن من الخراب!

من عُتْهِ سلطات الأنظمة العربيّة المستبدّة ألاَّ ترى، في كلّ هبَّة شعبية، أو تجمّع احتجاجي، أو تظاهرة نسائية، أو حشد عمَّاليّ، أو تظاهرة طلابيّة جامعية أو أخرى لأصحاب الحِرَف.. سوى تنفيذٍ لأجندة خارجيّة!

ووفق هذا العُته، ستكون أيّ تظاهرة احتجاجية، أو أي مطالبةٍ بالحريّة والكرامة والعدالة، أو معارضةٍ لنظام الحكم، على ارتباط بقوى إقليميّة أو دوليّة أو إسرائيليّة؛ أو هي متواطئة مع منظَّمات مشبوهة، أو تنظيمات مُعادية، أو مُموَّلة أو مدعومة من الخارج.. كل هذا ممكن، إلا أن تكون تعبيرًا عن رأي الناس المحكومين بالحاكمين وأنظمة حكمهم.

في عُرف حكَّامها، الشعوب العربيّة لا تتظاهر، ولا تحتجُّ، ولا تعترض، ولا تُعارض. ليس في عقلها هذا، ولا في أخلاقها هذا، ولا في عروبتها هذا، ولا في حرصها على بلدانها هذا. فإذا ما حدث وخرجت إلى الشوارع مطالبة، مندّدة، محتجَّة، معترضة؛ فإنما يحدث ذلك -من دون أيّ حاجة إلى المعلومات والتحليل والاستنتاج- بفعل تحريض خارجيّ، أو مدسوسين، أو مغرضين، أو متآمرين.

الوطني -لدى الحكَّام العرب- لا يُعارض، وإذا ما عارض لا يتظاهر في الشوارع. الشوارع العربيّة للذاهبين إلى أعمالهم، أو مدارسهم، أو جامعاتهم، أو محلاَّت تبضّعهم، أو لقاء أصدقائهم، أو حبيباتهم، وما إلى ذلك. أما استخدامها للتظاهرات والاحتجاجات والهتافات، فهو رجس من عمل الأعداء ومخطَّطاتهم.

هل سمعتم حاكمًا عربيًّا يصف الشوارع بأنها شوارع، وجموع الشعب فيها بأنهم جموع شعبيّة، والهتافات والشعارات الاحتجاجية المرفوعة بأنها شعارات وهتافات احتجاجيّة، وهتافات غضب الناس العارم بأنها هتافات غضب الناس؟ قطّ، لم يحدث أن أخطأ حاكم عربيّ -ذات يوم- فسمَّى المسمَّى باسمه. على الدوام، يوجد أعداء وقوى خارجيّة، وعلى الدوام يوجد أطماع، ومآرب، ومؤامرات، يضمرها ويحوكها الأعداء.

فإذا ما وجدتْ مطالبي -العربيَّ- التي خرجتُ متظاهرًا لتحقيقها، أصداءً مُرحّبة أو مؤيّدة لدى واشنطن، أو عواصم أوروبيّة، أو أيّ مؤسسة أو هيئة أو جهة في العالم.. فهل أتراجع، وأغادر الشارع، مُتخلّيًا عن حقوقي ومطالبي كي لا يُقال إنني أنشط وفقًا لأجندة خارجيّة، وإنني أحارب بسيوف الأعداء الغربيين والصهاينة، وأصُبُّ مياهي في طواحينهم، وأكيل بمكاييلهم؟!

هل يحتاج الأمر إلى تأكيد أن الآمال لدى الشعوب العربيّة بحياة أفضل، وأحلامها بالانضمام إلى الشعوب المتقدّمة، المتحرّرة، المتنعّمة بكرامتها وحقوقها الإنسانيّة؛ أسبق من هذا الرئيس الأمريكي أو ذاك، ومن هذا الصهيوني أو ذاك، وهي ماثلة في أعماق المظلومين العرب، رانية إلى التحقّق قَبل أنْ قِيلَ لأمّهات هذا الرئيس أو ذاك: “مبارك عليكنّ مواليدكنَّ”؟!

ولأنّه ما من نظام عربيّ استبداديّ -أو مُدوَّر الزوايا الاستبداديّة- إلاّ وعارضَ المعارضة، واتهمها بالعمالة للخارج، أو الولاء له، أو تنفيذ مخطّطاته؛ فإنّ هذا يعني -بالنسبة للأنظمة- أن شعب الداخل مخصيٌّ، لا قائمة لديه -أصلًا- لتقوم، لا عزم فيه لينتفض، لا مطالب لعيشه، ولا لكرامته، ولا لعدالته، ولا لحريّته، إلاّ وقد وفَّرها النظام؛ فلِمَ ينتفض ويخرج إلى الشوارع لولا أنه رهينة الإرادات والمخطَّطات الخارجيّة؟!

أليس من العار على الأنظمة المستبدة أن تكون حاكمةً لشعوبٍ هي عميلة للخارج، مأجورة بأرخص الأثمان لقوى الغرب، منفّذة لمخطّطاته ومؤامراته.. إلى آخر الأسطوانة المشروخة؛ أو هي صامتة، راضية، ممتثلة، لا تعارض، ولا تعترض، ولا تحتجّ، ولا تطالب، ولا تغضب؛ بل تبجّل حكّامها فحسب؟! أم أن العار -العار كلّه- أن يرتضي الناسُ الذلَّ لأنفسهم، فلا ينتفضون لأنَّ في انتفاضتهم خرابًا، والذلّ آمنُ من الخراب؟.

مقالات ذات صلة

إغلاق