اقتصاد

باختصار.. لا أحد يسأل عن أحد في هذا البلد

لم تترك المفاجأة التي وعد بها وزيرُ التموين والتجارة الداخلية، في حكومة الأسد، حول الأسعار في رمضان، أيَّ أملٍ لدى الفئات المنكوبة وأصحاب المِعد الخاوية على المستوى العام، في إمكانية تراجع أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، ولو تراجعًا جزئيًا، أو فرض رقابة مشددة على الأسواق، بعد أن أصبحت الأخيرة مسرحاً يسيطر على خشبته نخبة متنفذة صاعدة، تربطها علاقة قوية بقيادات الصف الأول للسلطة.

بخلاف تصريحات حكومية عدة، رأى بعضهم فيها إشارة لأداءٍ اقتصاديٍ جديد يعيد ترتيب البيت من الداخل، ولو من حيث الشكل، بهدف تلميع صورة نظامٍ فقَدَ السيطرة ليس فقط على مستوى مؤسساته بل على مستوى الطحين مادة الغذاء الأساسية، حيث يُسلم الكيلو غرام منها بسعر 18ليرة، ثم يهرّب ويباع في الأسواق بـ 2000 ليرة. جاءت المؤشرات وفق الواقع السائد، صادمة، ليزداد حجم معاناة أناس، أثقلتهم الحرب، وأفقرتهم، عندما التهمت ماكينتها مدخراتهم، وما في جيوبهم، وتركتهم عرضة لضائقة مالية، تتراكم تداعياتها منذ سنوات.

في 29 آذار/ مارس الفائت، أُجرِي تعديل في حكومة عماد خميس. وفي 22 نيسان/ أبريل، عُيّنت قيادة قطرية جديدة لحزب البعث الحاكم الذي ما زال يمارس قيادته للدولة، على الرغم من أن دستور عام 2012 أطاح بالمادة الثامنة الشهيرة، الخاصة بقيادته للدولة والمجتمع. ومع ذلك، لم تفلح التغييرات التي طالت قيادته العليا، ولا التغييرات التي طالت السلطة التنفيذية للنظام، في تحسين علاقة السلطة بالمواطنين ضمن سيطرتها الجغرافية. أو تحسين وضعهم المعيشي الذي تدهور متأثراً بانهيار اقتصاد تلتهم القسم الأكبر من ريعه، فاتورة الحرب، فيما تستولي جيوب رجالات النظام وشركائه على ما تبقى منه.

يكشف الفشل المتراكم في رأب الجدار المتصدع داخلياً، ما آلت إليه الأمور داخل البلاد. فعلاوة على كارثية نتائج الحرب التي يخوضها النظام بالنسبة إلى قطاعات الإنتاج المختلفة، تزداد الضغوط الاقتصادية والمالية، على معظم السكان. حتى أولئك الذين يعيشون بين أحضان الأسد، لم تعد لديهم القناعة الكافية بالوضع السائد، ولا بطبيعة الحياة التي حوّلتها الرواتب والأجور التي يتقاضونها كغيرهم، إلى جحيم، تزداد ضراوة نيرانه كلما اتسعت الهوة بين حجم الدخل وحجم الإنفاق.

للسنة السابعة على التوالي، ما زالت قيمة رواتب موظفي القطاع الحكومي والقطاع الخاص، تُسجل انخفاضًا كبيرًا مقابل الأسعار الرائجة للمواد الشديدة الاستهلاك. ويُعزى الأمر في الحقيقة، إلى تدهور قيمة الليرة أمام العملة الصعبة؛ فمنذ عام 2013 بدأت قيمتها تتراجع، بالتزامن مع تنامي العجوزات المالية واستنزاف احتياطات العملات الأجنبية للإنفاق على الحرب. ومنذ ذلك التاريخ بدأ تصاعد نسب التضخم، وتدني القوة الشرائية، واتساع الفجوة بين الدخل المتاح وبين حجم الاستهلاك. واستفادت قوى اقتصاد الظل من احتكارها السوق بمؤازرة حكومية، لتثرى على حساب الفئات الضعيفة. ووجد الصامتون أنفسهم في المحصلة، أمام خصوم جدد، يرعاهم نظام الأسد، كانوا أداة ضغط اقتصادية موازية لآلة الحرب.

باعتراف مصدر رسمي في حكومة الأسد، لم تعد قيمة الراتب الذي كان يبلغ نحو 40 ألف ليرة، تعادل الآن سوى 5 آلاف ليرة، قياساً لمعدل نمو حقيقي في الاقتصاد. وإذا اقتنعنا بهذا الرقم جدلاً، فمن المؤكد أن الأسرة التي كانت تعيش على ذلك الدخل قبل سنوات، عيشة الكفاف، تحتاج لتعيش الكفاف ذاته في الوقت الراهن، إلى راتب يبلغ نحو 280 ألف ليرة، قياساً للمعايير ذاتها، في اقتصاد ينمو بشكل سلبي، متراجعاً إلى الخلف.

الاعتراف الرسمي بالقيمة الحقيقية للرواتب في وضعها الراهن -بحسب الخبير الاقتصادي حسام الحافظ- لم يحظَ باعتراف مماثل حول ضرورة رفع الرواتب والأجور، إلى ما يعادل القيمة التي كانت تعادلها حينذاك، وهذا يدل كما قال لـ (جيرون): على وجود حرب أخرى يشنها نظام الأسد، لحصار شعبه المنتفض، وتجويعه، وإذلاله بلقمة عيشه.

وكنتيجة متوقعة، أصبح الدخل اليومي للعاملين في الدولة اليوم، أقرب إلى خط الفقر العالمي (1.9 دولار). ويرشح البنك الدولي دخول نحو 300 ألف عامل منهم عالم الفقر. كما أصبحت الفئات الضعيفة، والأكثر ضعفاً، تعيش تحت مظلة نظام، غير قادر على توفير الطعام لها، مقارنة بدخولها الهشة.

تبرز مشكلة الفئات الاجتماعية التي تراجعت أوضاعها المالية، بسبب الحرب إلى الحضيض، كواحد من أخطر الظواهر الراهنة. إذ يستعين معظم أفرادها بما تقدمه الجمعيات الخيرية والجوامع والكنائس والمنظمات الدولية وأفراد المجتمع من معونات مالية وعينية وغذائية، ليواصلوا حياتهم اليومية بحدها الأدنى.

ومن المؤكد، أن الصعوبات التي يلاقونها، وما يكابدونه في حياتهم، ليس ذا قيمة لدى حكومةٍ، تصرف جهدها في هذه الأثناء لاستضافة المطربة “فيروز” في حفل جماهيري، ضمن أنشطة معرض دمشق الدولي، المزمع عودته، تلميعاً لصورة الأسد وترويجاً لنظرية “سورية بخير وأمان في ظل حكمه”، بينما يقف المجتمع السوري بمختلف فئاته على حواف المجاعة.

يقول أحمد (من سكان دمشق) لا أعتقد أن الصورة السوداوية التي يعيشها السوريون غائبة عن أبصار النظام. فسعر سندويشة الفلافل أصبح اليوم 175 ليرة، وهي بالعرف الاجتماعي طعامُ الفقراء، إلى جانب مثيلتها البطاطا التي أصبح ثمنها هي الأخرى 200 ليرة، فماذا بقي للفقراء كي يأكلوه؟ وأضاف لـ (جيرون): إذا كان متوسط سعر فنجان الشاي في المطاعم 400 ليرة، ومتوسط سعر سندويشة الشاورما 800 ليرة، وسعر وجبة الكوردون دجاج لشخص واحد 3000 ليرة، أي ما يعادل 1 إلى 12 من وسطي الرواتب الحكومية، وسعر الكيلو غرام من لحم الفروج 1800 ليرة، ومن لحم البقر 5000 ليرة، ومن لحم الغنم 6000 ليرة، وفي بعض مناطق دمشق 8000 ليرة، فماذا سيأكل المواطن؟ وكيف سيواصل الناس حياتهم؟

في معرض ردة فعله على قرار صرف الراتب المستحق عن شهر تموز لجميع العاملين في القطاع الحكومي، في 22 الشهر الجاري، بمناسبة عيد الفطر، يختصر أحمد حال أكثر السوريين اليوم: أي عيد! إننا ننزل إلى الأسواق ونتفرج، فتحترق قلوبنا من الأسعار الخيالية للمعروضات، ثم نعود. بعضهم يعلن عن تنزيلات على الأسعار، لكنها كذب بكذب، لا أحدَ يسأل عن أحدٍ في هذا البلد.

مقالات ذات صلة

إغلاق