تحقيقات وتقارير سياسية

دبلوماسية المساعدات الإسرائيلية للاجئين السوريين

وضعت التغيرات التي تلت اندلاع الثورة في سورية “إسرائيل”  في مأزق استراتيجي بين موقفها السياسي برفض التدخل في حرب تعدّها بين شر النظام السوري وروسيا وإيران من جهة، و(الدولة الإسلامية) والفصائل الإسلامية الأخريات من جهة أخرى. إلا أن ذلك لم يعنِ تجاهل “إسرائيل”  للخطر المقبل من حدودها الشمالية، خصوصًا عمليات نقل الأسلحة الإيرانية إلى (حزب الله) اللبناني، وتقدمه إضافة إلى جماعات (الدولة الإسلامية) في منطقة الجولان، والخطر المحتمل من تمدد فوضى الحرب إلى حدودها مع الأردن ولبنان. وبينما ما يزال تأثير الهجمات ال”إسرائيل” ية على المواقع العسكرية للنظام محدودًا في إعادة توازن القوة في الساحة السورية التي تقتصر على العمليات النوعية محددة الأهداف، برزت أهمية القوة الناعمة ال”إسرائيل” ية التي استخدمت في إيجاد قنوات تواصل مع القوى الفاعلات في الأرض.

تأتي هنا أهمية دبلوماسية المساعدات الإنسانية التي تهدف من جهة إلى موازنة الدعم المادي واللوجستي الذي تتلقاه الجماعات المتشددة، ومن ثَمَّ الحد من أخطار تثبيت قاعدة شعبية لها، وكسبها مزيدًا من المناصرين، خصوصًا في المناطق الجنوبية. إذ عزز التمويل الكبير للجماعات المتشددة قدرتها على توفير الخدمات الأساس بمثل المواد الغذائية والكهرباء والمحروقات للسكان المحليين، في حين استطاع تنظيم (الدولة الإسلامية) الاستفادة من عمليات بيع النفط وتهريب الآثار وفرض الضرائب في تثبيت ثقة عناصره، واستمرار دفع مستحقاتهم المادية المرتفعة. في المقابل، تعد المساعدات الإسرائيلية المقدمة للاجئين السوريين في الخارج أبعد استراتيجيًا من خلال عملها على تغيير المواقف السلبية للسوريين تجاه “إسرائيل” ، وتحسين صورتها، والدور الذي تؤديه في الحرب ضمن التأسيس لعلاقات حسن الجوار، والخشية أن تنتهي إلى تحويل الجماعات المستفيدة من المساعدات إلى (سفراء) لتقريب المسافة مع “”إسرائيل” ” في المستقبل.

مهدت عمليات القتل والتدمير في سورية خلال سنوات الحرب الطريق لكثير من الجهات الدولية للدخول في تفاصيل المجتمع السوري، وتحقيق اختراق نوعي لحاجز التواصل الذي بقي قائمًا بين السوريين والعالم الخارجي، إذ كانت المساعدات الإنسانية والمنظمات غير الحكومية واحدة من أهم الأدوات التي أمنت ذلك، وكشفت به عن هشاشة بنية المجتمع أمام الاختراقات الدولية في ظل استمرار النظام في عمليات القتل والتدمير. بالطبع كان من الطبيعي أن تستغل “”إسرائيل” ” هذه الفرصة التاريخية التي عدّتها أداة مناسبة لتحقيق مكاسب استراتيجية محدودة الخطر من دون الحاجة إلى التدخل بقواتها، ومساندة أحد أطراف الأزمة على حساب الطرف الآخر.

تسعى “إسرائيل”  للمشاركة مع الأطراف الدولية في وضع خطة عمل شاملة لدعم “بعض” المعارضة المعتدلة ومساندة جهد إنشاء مناطق آمنة يمكن من خلالها الإسهام بداية في إيصال المساعدات الإنسانية الضرورية، وصولًا إلى التأسيس لاقتصادات محلية في تلك المناطق، وتأمل “إسرائيل”  في أن تقود المساعدات الإنسانية إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية في جنوب سورية والجولان المحتل خصوصًا، والتأسيس لمفهوم المصلحة المشتركة مع السكان المحليين التي قد تؤسس لدور في تعاون مشترك في المستقبل في التجارة والبنية التحتية والزراعة.

رسميًا، بدأت المساعدات الإسرائيلية تظهر إلى العلن بداية العام 2012 بعد إدخال عنصر من “جيش الدفاع الإسرائيلي” جريحًا سوريًا للعلاج داخل “إسرائيل” ، الأمر الذي أسس بداية لهذا النوع من العمليات. منذ ذلك الوقت، وافقت “إسرائيل”  على إدخال أكثر من 4 آلاف سوري للعلاج من بينهم كثير من المدنيين والأطفال إضافة إلى عناصر من المجموعات المسلحة، الأمر الذي كوّن ظاهرة أثارت عددًا من التحفظات، ولا سيما بعد زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لعدد من الجرحى المسعفين، وانتشار صور الزيارة في وسائل الإعلام.

إضافة إلى ذلك، كانت المنظمات الإسرائيلية حاضرة منذ بداية موجات اللجوء نحو الأردن، إذ عملت على تقديم المساعدة للسلطات الأردنية في تأمين الحاجات الرئيسة للاجئين التي لم يكن من الممكن للأردن توفيرها سواء لأسباب لوجستية أم مادية في تلك المرحلة. جاءت المساعدات معظمها بصورة مبادرات محلية قام بها عدد من المنظمات الإسرائيلية غير الحكومية، لتتطور بعد ذلك، وتشمل التنسيق مع الجهات الدولية والإقليمية، والتركيز على إظهار الدور “الإيجابي” الذي تؤديه “إسرائيل”  في الأزمة السورية.

  • منظمة (تيفيل) غير الحكومية التي نفذت مشروعًا لمساعدة اللاجئين السوريين في الأردن بالتعاون مع الدكتور روني بيرجير مدير وحدة إعادة التأهيل النفسي التابعة لحزب (بريت أولام) الإسرائيلي.
  • منظمة (إنقاذ قلب طفل) التي يترأسها سايمون فيشير وتقدم المساعدة للأطفال الذين يعانون مشكلات في القلب في الدول النامية، ونقلهم إلى (مركز وليفسون الطبي) في مدينة حانون للقيام بالعمليات الطبية اللازمة إضافة إلى تدريب الفرق الطبية.
  • (المنتدى الإسرائيلي للمساعدات الإنسانية الدولية) وهو منظمة غير حكومية تقدم المساعدات الإنسانية للاجئين السوريين في الأردن، أحيانًا تحت غطاء منظمات مسيحية وإسلامية.
  • (حركة كيبوتس) جمعت في العام 2012 بالأغطية والمساعدات الغذائية والتبرعات المالية للاجئين السوريين في الأردن
  • (لجنة التوزيع المشتركة) التي تضم 14 منظمة يهودية في الولايات المتحدة وتهدف إلى تقديم المساعدات للاجئين السوريين في الأردن بالتعاون مع الحكومة الأردنية والمنظمات الدولية العاملة على الأرض، والتنسيق معها.
  • (اللجنة اليهودية العربية للمساعدات الإنسانية للاجئين السوريين) أسست في تشرين الأول/ أكتوبر 2014، وأشارت مذكرة تأسيسها إلى الدور السلبي الذي أداه الغرب من خلال ترك النظام السوري من دون محاسبة على جرائم الحرب التي ارتكبها، وتستبت لاحقًا بصعود المجموعات الإرهابية في مقابل تراجع دور المعارضة المعتدلة على الأرض.
  • مبادرة (يد بيد مع اللاجئين السوريين) أمنت في العام 2013 المساعدة، وجمعت الملابس والمواد الرئيسة في “إسرائيل” لتقديمها للسوريين في الأردن.
  • (لجنة المساعدات السورية) مبادرة شارك فيها عرب “إسرائيل” في العام 2014 لجمع التبرعات للأطفال السوريين في المخيمات الأردنية.
  • المنظمة الإنسانية الإسرائيلية، لم يُكشف عن اسمها، وهي تقدم المساعدات الإنسانية في مناطق النزاعات التي يصعب الدخول إليها أو تلك الواقعة في دول لا تمتلك علاقات دبلوماسية مع “إسرائيل” . بدأت المنظمة في تقديم المساعدات سرًا مع بداية الثورة بالتعاون مع عدد من المجموعات المحلية التي تقدم غالبًا تحت علامات تجارية محددة، ليتمكن السوريون من التعرف إليها في المستقبل، وربطها بالمجتمع المدني الإسرائيلي بعد الكشف عنها. وشاركت هذه المنظمة في (حملة الدفء الإنساني) في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، وجمعت عددًا من البطانيات، وقدمت المساعدات للاجئين السوريين في المخيمات الأردنية بالتعاون مع “الأمير زيد بن رعد” المفوض السامي لحقوق الإنسان.

إضافة إلى ذلك، يعمل عدد من المنظمات اليهودية في أوروبا على تقديم المساعدات المادية والقانونية للاجئين السوريين ومساعدتهم على الاندماج في المجتمع الأوروبي. تعمل هذه المجموعات على إظهار التعاطف مع قضية اللاجئين، سواء من خلال مقاربتها بعمليات الإبادة الجماعية التي تعرضوا لها خلال الحرب العالمية الثانية أم بتوجيه التعاطف الشعبي مع القضية السورية من خلال ربطها برموز المعاناة اليهودية في أوروبا مثل ما حصل أخيرًا في المقال المنشور في صحيفة (فايننشال تايمز) التي شبهت الطفلة السورية بانة العابد‎‎ بآن فرانك التي اشتهرت بعد نشر مذكراتها التي تحتوي على تجاربها في الاختباء في أثناء الاحتلال الألماني لهولندا في الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من أن هذه المساعدات معظمها تُقَدَّم من دون تنسيق مع “إسرائيل” ، إلا أنها تستغل هذه المساعدات بصورة غير مباشرة في تقديم صورة إيجابية عن المنظمات اليهودية مختلفة عن تلك الموجودة في أذهان السوريين.

في الواقع، ما يزال من الصعب على أغلب السوريين تصور دور إيجابي تقوم به “إسرائيل”  في الأزمة السورية، للأهمية التي يحتلها الصراع العربي الإسرائيلي في وجدان السوريين خصوصًا، وضمن الصورة النمطية للعدو الإسرائيلي والصهيونية العالمية التي عمل النظام على تكريسها في أذهان السوريين، وحقيقة أن السوريين -بخلاف الفلسطينيين- لم يخوضوا احتكاكًا مباشرًا مع إسرائيليين منذ أكثر من ثلاثة عقود. وعلى الرغم من كون الضربات الجوية التي قامت “إسرائيل”  بتوجهها لمواقع النظام أعلى صوتًا وحضورًا في وسائل الإعلام من المساعدات الإنسانية الخلاسية المقدمة منذ بداية الأزمة، إلا أن ذلك لا يعني تجاهل تأثير استخدام “إسرائيل”  لقوتها الناعمة ضمن واقع الحرب في سورية الذي لم يعد يعكس بالضرورة صورة الموقف الشعبي المعادي لـ”إسرائيل”  كما كان في حرب تموز/ يوليو في العام 2006 على سبيل المثال.

بالفعل، أدت المساعدات الإنسانية الإسرائيلية إلى تبدل في مواقف بعض القوى على الأرض، إذ عدّها بعضهم خطوة لإعادة رسم الصورة النمطية للإسرائيليين واليهود في العالم، والتأسيس لتوجه داعم للسلام في المنطقة. وكانت صحيفة (تايمز أوف “إسرائيل” ) قد شددت على التصريح الذي أطلقه (أبو عمر الحوراني) المتحدث باسم (الجيش الحر) عام 2014 الذي أشار في حينها إلى أن “إسرائيل”  باتت بلدًا صديقًا بعد تقديمها العلاج لأحد عناصره مقارنًا ذلك برفض دول عربية إدخال عناصره للعلاج في مستشفياتها. وأدلى كمال اللبواني العضو المستقيل من (الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية) بتصريحات مشابهة خلال زيارته لـ”إسرائيل” ، أبدى فيها إعجابه بالخدمات الطبية التي قدمتها “إسرائيل”  للجرحى السوريين، وعدها اللبواني من أكثر الأسلحة الإسرائيلية تأثيرًا. يذكر أن اللبواني عضو في جمعية (عمل الله) التي تضم أيضًا ابن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحق رابين التي أسست عام 2013، وتشير في موقعها على الإنترنت إلى برامجها الإنسانية في تقديم المواد الغذائية والطبية، إضافة إلى اهتمامها بحماية المواقع الدينية اليهودية في داخل سورية، ودعمها جهد إقامة مناطق آمنة داخل سورية.

في المقابل لا يعدّ الائتلاف الوطني المساعدات الإنسانية الإسرائيلية سببًا في تغير موقفه الرسمي من “إسرائيل” ، إذ اتهمها باستغلال المصاعب التي يواجها السوريون لتحسين صورتها، ويذهب بعضهم إلى وضع المساعدات الإنسانية الإسرائيلية في إطار خطة أوسع تساعد في تقسيم سورية، وتأمين حدود “إسرائيل”  الشمالية. يذكر أن الائتلاف قد تبرأ في ما سبق من زيارة اللبواني، مؤكدًا موقفه الثابت والرافض للاحتلال الإسرائيلي. إلا أن ذلك لا يعني فشل سياسة المساعدات الإنسانية الإسرائيلية التي تمكنت حتى الآن من تأسيس قنوات تواصل غير رسمية مع المنظمات غير الحكومية في الدول المحيطة بسورية وداخلها ضمن ما بات يعرف بدبلوماسية المساعدات الإنسانية، وكسر الحاجز النفسي بين المجموعات العسكرية والمدنيين في سورية وفي المخيمات ودول اللجوء، إضافة إلى التأسيس لشبكة علاقات للتحضير لمآلات الحرب.

تدرك “إسرائيل”  حساسية الدور الذي تؤديه في الأزمة السورية، والسجال الشعبي الحاد حول تأثير مساعداتها في صورة الثورة، وتثبيت اتهام النظام لقوى المعارضة والثورة بتنفيذ أجندات إسرائيلية وأميركية. لكنها في المقابل، تعمل على العناية بتأمين نفسها بصورة رئيسة بالتشديد على دعم المجتمعات المدنية أمام تعاظم الجماعات المتشددة من خلال المساعدات الإنسانية المباشرة أو غير المباشرة بالشراكة مع المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية، أو بمساعدة القوى المسلحة في جنوب سورية لإيقاف أي تمدد لإيران أو حزب الله اللبناني على حدودها الشمالية، وخصوصًا في الجولان والحدود السورية – الأردنية. تسعى “إسرائيل”  من خلال ذلك إلى إظهار أهمية التعاون معها في إتمام أي تسوية مستقبلية للحرب في سورية، إضافة إلى أهمية المساعدات المقدمة في تقليل معاناة السوريين في الداخل والخارج. إلا أن التأثير المحدود نسبيًا للمساعدات المقدمة حتى الآن قد يدفع “إسرائيل”  إلى التركيز مستقبلًا على تعميق قنوات التعاون والتنسيق مع الفاعلين على الأرض، ووضع المساعدات الإنسانية ضمن سياسة متكاملة للحكومة الإسرائيلية تتضمن إظهار المساعدات المقدمة إلى العلن، وتعزيز اللقاءات مع السوريين في داخل “إسرائيل”  وخارجها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق