هموم ثقافية

شيء عن الشعر والرواية

مع أنني لا أزال أرى، في قرارة نفسي، أنَّ الشعر خير معبّر عما يعتلج حياة الإنسان، من آلام وأحزان، والشاعر هو الأقدر على صياغة العبارة وتقديمها على نحو بهيّ يأسر نفس المتلقي؛ إذ يحملها إلى مراقي بعيدة! إلا أنني، في الزمن الأخير، صرت أكثر ميلًا إلى جنس الرواية الذي أجده اليوم ألصق بحياتنا التي ابتعدت كثيرًا عن فضاءات الشعر وعوالمه الفردية غالبًا، وغدت مجالًا رحبًا لمبدعي السرد الأدبي لينهلوا -ما شاء لهم- من معين تفاصيل حياة الناس الجديدة بسعدها ونحسها، متحررين لا من قيود الشعر السابقة، ولا من ضيق هامش القصة القصيرة، بل من أنساق الرواية ذاتها…!

 إن هذا الرأي ينبعث من اهتمام القراء الذين خبرتهم، بحكم طبيعة عملي في النشر، فقلما تجد قارئًا يطلب ديوان شعر؛ اللهم إذا استثنينا الطلب على بعض دواوين المشاهير، وبخاصة هؤلاء الذين يطعمون شعرهم بنزعات التوق إلى الحرية التي سلبها الاستبداد السياسي، وسلب معها جوهر آمالهم في أوطان نامية وآمنة.

 أتطرق اليوم لهذا الموضوع؛ لكثرة ما أخذته الرواية من مساحة بين الأجناس الأدبية كافة، ولعلَّ الشعار الذي رفعه بعض المبدعين في هذا الفن الجميل، وأعني به: «إنّ الرواية هي ديوان العرب»، قد غدا حقيقة واقعة، وفي عالمي القراءة والتأليف، رغم أنَّ اجتراح مغامرة الشعر، لا تزال قائمة على أشدّها، ولا يزال الشعراء ينمون كالفطر، (بل إنهم يتكاثرون على نحو يغالب حال النمو السكاني الذي تزعم معظم الحكومات العربية التي أخذت على عاتقها النهوض بالأمة، أنَّ ذلك التكاثر يعيق خططها التنموية، وأنّه السبب الرئيس في كل معاناتها وتقصيرها تجاه رعاياها من المواطنين الطيبين الصابرين، مغمضة عينها عما ترتكبه من جرائم بحق مواطنيها تضييقًا وقهرًا واستعبادًا..).

المهم أن هذا المدَّ الشعريَّ الطاغيَ الذي نشهده لا يوقفه، أو يحد من طغيانه عزوفُ القراء أو النقاد، عن متابعة الأعداد المتزايدة من دواوينهم الشعرية التي أخذت تضيق بها المكتبات الخاصة والعامة، وعموم مستودعات اتحاد الكتّاب ووزارة الثقافة ومختلف دور النشر أيضًا. في حين أنَّ الرواية العربية لم تعد تزحف لتأخذ مكانها المبشّر به -كما أسلفت- بل إنها الآن تتمثل ذلك الشعار أو تلك المقولة على أرض الواقع، تمثلًا فعليًا بكل جدارة واقتدار، ولا يقلل من شأن هذه القيمة، ميل أغلب القراء -اليوم- إلى ما هو مترجم من الروايات العالمية، على الرغم من أن الكثير من الروائيات والروائيين العرب أثبتوا جدارتهم، وثمة طلب على إنتاجهم..!

لماذا يحدث ما يحدث؟ وما هي الدواعي والأسباب التي تجعل الشعر منبوذًا على هذا النحو الذي يدعو إلى الرثاء والعطف..!؟

يبدو لي أنّ الشعر بعد أن نزل من عليائه، أو من أبراجه العاجية التي كان عليها، (في قصور الملوك وبلاطات السلاطين) هادفًا إلى اندماجه بالشعب وأبنائه البسطاء، وعاش زمنًا أحزان دنياهم، لم يجد سبيلًا إلى المتابعة؛ إذ ظلت صياغة عبارته أمينة للشعر الخالص، ولا يمكن لها، بالطبع، أن تكون غير ذلك، وقد ظلت كذلك متساوقة مع خيال صنّاعه، تحمل في ثناياها رؤاهم الفردية، وتنطوي على معاناة دواخلهم المنغلقة أحيانًا، محلقة في أحايين كثيرة في سماوات بعيدة، فهي -على ذلك النحو- تغدو عصيّة على عالم هؤلاء المساكين، بعيدة عن الدخول في متاهات بؤسهم..!

أما الرواية فقد استطاعت أن تشقّ طريقها إلى حياة البسطاء من الناس، وأن تعيشها جدًا ولهوًا، حزنًا وفرحًا، وأن تدوّن مفرداتها الصغيرة ومكوناتها الرئيسة، وبالأسلوب القريب من مفاهيمهم وتصوراتهم، ومن حسهم الجمالي أيضًا، وكذلك بلغة حية تتوافق مع شؤون هؤلاء.

وها هي ذي الرواية تعيش حياة الناس العاديين حياة المجتمع كله، بما فيها من حراك سياسي واجتماعي وثقافي. إنها المؤرخ الحقيقي، وإنْ على طريقتها، لأحوال الناس الذين يصنعون الحياة ويعانون متاعبها. وتفصّل الرواية في أبعاد تلك المعاناة وفي أسبابها المخفية؛ فتبرز بطولات الناس في مناصرة قضاياهم، وتلمُّس خلجات قلوبهم، وهواجس أرواحهم! وبكلمة يمكن القول إن الرواية اليوم هي مرآة المجتمع الحقيقية، مرآة تعكس بصدق تفاصيل حياة الناس التي غالبًا ما أغفلها التاريخ، متعمدًا..!

ولكن ما ينقص الرواية اليوم، والكتاب عمومًا، هو الدعم والتشجيع والاهتمام الإعلامي، والبدء يكون من المدرسة حتمًا! ولا بد من إيجاد حلول ناجعة لمشكلة إيصال الكتاب إلى القارئ بأسعار معقولة. وهذا يتطلب من الحكومات العربية أن تأخذ بيد الكتاب خصوصًا لجهة النفقات الباهظة التي تتكلفها دور النشر في المعارض العربية، وأنْ تساهم بحل مشكلات النقل إضافة إلى مشكلة الرقيب التي لا تزال من بديهيات ذهنية الحكام العرب أجمعين.

مقالات ذات صلة

إغلاق