أدب وفنون

ضغط… ضغط… ضغط…

لا أدري لماذا كلما سمعت كلمة “ضغط” تذكرت التمرين السادس الذي كان وسيلة العقاب الأولى، عندما كنّا في دورة الضباط المجندين في الخدمة الإلزامية. كان المدرّب كلّما أراد أن يعاقب أحدنا لأنّه تنفس وهو في وضعية الاستعداد صرخ:

– التمرين السادس “خوذ وضع”.

فيأخذ واحدنا وضع الانبطاح؛ أقصد الاستلقاء بوضع الكفين على الأرض والاستناد إلى الساعدين. ويبدأ العد: أح ثنين.. أح ثنين. حتى المئة أحيانًا. وحينما كان أحدنا يتهاون في الضغط كان المدرب يستخدم حذاءه -تشيكي الصنع- فننضغط بشكل لا إرادي. ونتيجة لذلك فقد انضغطنا في حرب تشرين التحريرية، بعد أن ضغطوا الدورة ودفعونا لنضغط على العدو. لكنه بدلًا من ذلك ما لبث أن ضغط علينا فانضغطنا.

هذا الضغط أعادني إلى مرحلة الطفولة، حينما كنا نلعب لعبة “إللي بيطلع صرص امه”. إذ كنا نجلس على نسق، ونلقي بظهورنا إلى الجدار، ويبدأ الضغط: الميمنة تضغط على الميسرة، والميسرة تضغط على الميمنة، والنتيجة: “أللي بيطلع صرص امه. بيحترق شنتان امه”.

ثم ما لبثت هذه اللعبة أن قادتني إلى اللعبة الكبرى التي تجري في بلادنا هذه الأيام؛ إذ يضغط كل فريق على الفريق الآخر من الفرقاء، اللاعبين على مساحة الجغرافية السورية. فالتحالف الدولي يضغط على (داعش) والنصرة، و(داعش) والنصرة يضغطون على المعارضة، والمعارضة تضغط على النظام، والنظام يضغط علينا. وحينما نحاول نحن -الشعبَ السوري المغلوب على أمره- أن نتململ، تضغط علينا إيران وروسيا. فلا نجد أمامنا إلاّ أن نفرغ شحنة الضغط في بيوتنا؛ الأمر الذي يجعل كل فرد منّا يواجه هذا الضغط الذي يأتي من المستوى الأعلى، بضغط على المستوى الأدنى.

أنا مثلًا ونتيجة للضغط الذي أعاني منه من قبل الحكومة؛ لا أجد أمامي سوى أم رباح. فأضغط عليها حتى تنضغط. وأم رباح بسلامتها لا تستطيع أن تواجه ضغطي إلا بالضغط على الأولاد، فتضغط على رباح الكبير، ورباح بدوره يضغط على رابح، ورابح يضغط على ربحي، وربحي يضغط على ربحية، وربحيّة تضغط على شرشوحة القرقة مربوحة، ومربوحة المسكينة لا تجد أمامها أحد كي تضغط عليه، فتضغط على أسنانها وتصيح من شدة الضغط: “ضغطتموني”؛ تقولها المقصوفة بالعربية الفصحى من دون أن يسمعها أحد، ودون أن يخفّ أحد لنجدتها.

وعلى ذكر الضغط؛ فأم رباح أصرت أن أشتري لها طنجرة ضغط. وعلى الرغم من الحالة المادية البائسة التي نعيشها؛ ضغطت مصروف البيت واشتريت لها طنجرة ضغط بالتقسيط المريح.

ولأن الجيران لا يملك أحدهم طنجرة ضغط، فقد صارت طنجرتنا دولة بينهم، يتداولونها كلّما خطر لأحدهم أن يفطر على فول مدمس. وما هي إلا بضعة أشهر حتى انفجرت الطنجرة في أحد بيوت الجيران، وكادت تتسبب بكارثة. إذ من المعلوم أن كثرة الضغط تولد الانفجار.

جاءت أم رباح تخبرني:

– انفجرت الطنجرة يا مسعود.

– أي طنجرة؟

– طنجرة البخار. فقلت لها مازحًا:

– ليت شعري متى ستنفجر الطنجرة السورية يا أم رباح؟ فقالت لي وهي تضحك:

– لا يا مسعود، يبدو أن معارضتكم لم تغلق صمام الطنجرة بإحكام.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم وللشعب السوري المنكوب.

مقالات ذات صلة

إغلاق