هموم ثقافية

فقاعة الفلترة

مرت سنوات ستٌّ على الثورة، وجد خلالها ناشطون مدنيون سوريون أنفسَهم منفيين من الوطن، غير قادرين على التأثير مباشرة على الأرض؛ فلجؤوا إلى وسائل التواصل الاجتماعي، لإكمال أنشطتهم السياسية.

على مر السنوات الماضية، حاول الناشطون السوريون إلكترونيًا، أن يوصلوا صوت ضحايا نظام الأسد وحلفائه؛ فنظموا الحملات واستخدموا الوسوم (هاشتاغ) على أمل أن يكونوا صوت من لا صوت له في الداخل.

لم تنجح هذه الحملات في تحقيق الأثر المرجو منها، ولطالما تساءلوا عن سبب عجزهم عن الوصول إلى الرأي العام العالمي، والتأثير فيه خارج نطاق مجموعات صغيرة مهتمة بالشأن السوري.

وجدت إجابة على هذه التساؤلات في كتاب للباحث إيلي باريزر بعنوان (فقاعة الفلترة)، يشرح فيه أنه كان في شبابه من أكثر المدافعين عن المساحة الافتراضية، كمكان لتحقيق الحرية والديمقراطية، فقد بدت شبكة الإنترنت -مع انطلاقتها- المساحة الحرة، المنفلتة من ضوابط الرقابة، وقد وفّرت لكثير من الشعوب المقموعة -ولا سيما من خلال إمكانية إخفاء هوية المستخدم واستخدام الأسماء المستعارة- منبرًا للتعبير عن أنفسهم.

برزت وسائلُ التواصل الاجتماعي لتستكمل الصورة المرجوة من الإنترنت، إذ ظن كثيرون -ومن بينهم باحثون إعلاميون كبار-  أن وسائل التواصل الاجتماعي ستحقق الحلم الإعلامي بالتساوي بين المرسل والمستقبل، فكل من يمتلك حسابًا هو مرسل، وله حق إيصال صوته، إلا أن الواقع كان مختلفًا كثيرًا عن التمنيات.

يقدم عمالقة الإنترنت (غوغل وفيسبوك وتويتر) خدمةً مجانية للمستخدمين، تبدو للوهلة الأولى دون مقابل، لكن الأبحاث الإعلامية وضحت أنها تحصل مقابل هذه الخدمة، على معلومات مهمة جدًا، وهي معلومات عنا، عن أهوائنا وما يعجبنا، وتبيع هذه المعلومات لشركات الإعلان التي أصبحت قادرة على استهداف المستهلكين المحتملين لبضائعها بدقة أعلى.

تقوم هذه الشركات العملاقة بعد جمع المعلومات الكافية عنا، من خلال معرفتها ما نضغط عليه من روابط، وما نقرأ من أخبار تدريجيًا، بإظهار النتائج التي تتوقع أنها ستعجبنا أكثر، فقد أثبت باريزر أن قيام شخصين بالبحث على محرك البحث غوغل عن كلمة ما، يظهر نتائج مختلفة جذريًا، وقد عرض في إحدى محاضراته كيف طلب من صديقين أن يبحثا عن كلمة “مصر” وأن يصورا النتائج التي ظهرت لهما، فكان أن ظهرت للأول نتائج متعلقة بأفضل الوجهات السياحية في مصر كالأهرامات وشرم الشيخ، وأن ظهرت للآخر أخبار سياسية عما يجري في مصر. ولا تنحصر هذه الظاهرة بمحرك البحث (غوغل)، بل تنطبق -أيضًا- على (فيسبوك وتويتر)، حيث يغيب عن نظر المستخدم أصدقاؤه ومتابعوه الذين يخالفهم الرأي، لأنه ببساطة لا يتفاعل معهم، فتختار الخوارزميات الإلكترونية أن تحجب عنه ما لا يعجبه، وهذا ما أسماه باريزر “فقاعة الفلترة“، وشرحها بكونها: “تخدم كشكل من البروباغاندا الذاتية الخفية”، وبذلك تتحول الخوارزميات التي تتحكم بالإعلانات إلى “التحكم بحياتنا”.

يشرح مارك زوكربيرغ -مؤسس موقع (فيسبوك)- هذه الآلية بقوله: إن سنجابًا يموت أمام بيتك قد يثير اهتمامك في هذه اللحظة، أكثر من الناس الذين يموتون في إفريقيا”. يعبر باريزر عن خيبته بهذا المفهوم، لأنه -بحسب رأيه- ضيّع على مواطني العالم الفرصة الذهبية في التعرف إلى بعضهم عن قرب.

يدور السوريون منذ سنوات في دائرة تلك الفقاعة المغلقة؛ فيتبادلون الحملات ويطلقون الوسوم، ولكنهم يعجزون عن كسر حدود فقاعاتهم، إذ تبقى المعلومات التي يرغبون بإيصالها محصورة بالدائرة الثورية، دون أن تخرج عنها إلا فيما ندر، وبالمصادفة.

لا يبدو مستخدمو عمالقة الإنترنت أمام خيارات متعددة اليوم، ولا يستطيعون مواجهة مشكلة “فقاعة الفلترة” المفروضة عليهم، لأنهم ببساطة أصبحوا لا يستطيعون التخلي عن الخدمات التي تقدمها هذه الشركات؛ وبالتالي فهم مضطرون لقبول شروط اللعبة التي تفرضها عليهم، ولكن هل من وسيلة لكسر هذه الفقاعة؟ لا يبدو الحل سهلًا ولا ممكنًا، في ظل قيام الشركات العملاقة بتحقيق أرباح هائلة من “بيعنا” للمعلنين.

مقالات ذات صلة

إغلاق