سورية الآن

أميركا وروسيا.. والحرب

لم يكن مستغرباً أن يصلَ التصعيد بين الولايات المتحدة وروسيا إلى هذا المستوى من تبادلِ هزَ القبضات عالياً في الهواء، فالروس إستمرأوا الإنفراد بالأزمة السورية وغدوا كل شيء فيها لأن الإدارة الأميركية السابقة، إدارة الرئيس باراك أوباما، اتبعت سياسةً تجاه هذه الأزمة على أساس أن هذه المنطقة لم تعد منطقة مصالح حيوية بالنسبة لواشنطن وأن الأفضل لها ألّا تشغل نفسها بهذا البلد الملتهب أكثر من اللزوم وأن تأخذ إهتمامها أولاً نحو إيران وثانياً وبذات الدرجة نحو الصين التي أصبحت قوة اقتصادية طليعية في المراحل الأخيرة.
كان على إدارة باراك أوباما أن توفّرَ على هذه الإدارة، أي دونالد ترمب، عناء البدء بالتعاطي مع الوضع السوري، الذي أًصبح مثل: «طبيخ الشحّادين» كما يقال، والذي كثُرتْ الأيدي الخارجية التي باتت تمتد إليه، من نقطة الصفر وبعد انفراد الروس به انفراداً كاملاً كل هذه السنوات الطويلة تجاوز حتى وضعيّة الإحتلال العسكري الكامل وحتى أصبح أنه على كل من يريد التعاطي مع هذا الوضع أن يعرف ويدرك ويتحرك على أساس أنه لا مرجعية إلّا مرجعية موسكو وإن عليه أن يأخذ «التعليمات» من وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي كان يعامل وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري كطفل.. ولكن غير مدلّلْ!!
لقد كان الروس، بحكم سيطرتهم الكاملة والتامة على سوريا، يعرفون حجم الأسلحة الكيماوية المحرمّة دولياً فيها، وهذا وبالطبع أنهم كانوا يعرفون أن نظام الأسد قد استخدم هذه الأسلحة، غاز السارين تحديداً، أكثر من «130» مرة منذ عام 2011 وحتى ضربة «خان شيخون»، وهنا فإنه ليس تجنياً على الحقائق القول أن هذه الضربة بل والضربات السابقة كلها قد كانت بقرار روسي وأنه غير مستبعدٍ أن يكون بتعليمات مباشرة من الرئيس فلاديمير بوتين نفسه!!
يقول الأميركيون أن بشار الأسد قد تراجع «هرولةً» عندما شعر أن تهديدات ترمب له جديّة إن هو أقدم على استخدام «الكيماوي» مجدداً ومرة أخرى لكنهم يقولون أيضاً إنَ وجود هذا السلاح الفتاك المحرّم دولياً لا يقتصر على قاعدة الـ»شعيرات» السورية – الروسية، وهذا يعني أن استخدامهم للقوّة العسكرية لمعالجة هذا الأمر ليس مستبعداً ممّا جعل الروس «يفقدون» أعصابهم، وجعل سيرغي لافروف يواصل التهديد والوعيد وبأن روسيا لن تسكتْ على أي تطور عسكري في هذا المجال، وأنها ستبادر إلى الرّدِ على أيِّ صاعٍ أميركي بصاعين!!
ربما يكون مستبعداً أن تصل الأمور على هذه الخلفية إلى هذا المستوى الذي لوّح الروس به ولازالوا يلوّحون فأيُ صدامٍ عسكري بين هاتين القوتين «الكوْنيتين» الرئيسيتين لن يكون مزحة، كما يقال، وبخاصة وأنّ السلاح الذي تسبّبَ في كلِ هذا التوتر هو السلاح الكيماوي وحيث أن أي استخدامٍ له وسواء من قبل نظام بشار الأسد أو من قبل الروس مباشرة سيعني مواجهةً عسكريةً هائلةً قد تصل إلى مستوى إنفجار حرب عالمية جديدة ستكون إن هي انفجرت الحرب الكونية الثالثة.
إنّ هذا كله هو مجرد إحتمالات ومجرد أبعد وأخطر التقديرات وأغلب الظن أن الروس، الذين من المفترض أنهم أدركوا أنّ إدارة ترمب هي غير إدارة أوباما وأنه لا يمكن اللعب والتلاعب مع هذه الإدارة الأميركية وعلى غرار ما فعلوه مع الإدارة السابقة، سيواصلون التصعيد الكلامي لكنهم إذا احسّوا بأن الأمور أصبحت جديّة فإنهم سيتراجعون وإنهم لن يقحموا بلدهم، روسيا، الذي يعاني من أوجاعٍ إقتصاديةٍ وسياسيةٍ كثيرةٍ ومن إشكالات ومشاكل داخلية متعددة في مواجهة عسكرية مكلفة فـ»الكفُّ لا يستطيع مواجهة المِخْرز» والصدام العسكري مع الولايات المتحدة إن وقع فعلاً فإنه لن يكون لا مزْحةً ولا لعْبةً!!.

(*) كاتب أردني

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق