قضايا المجتمع

الشعب السوري واحد.. حقيقة أم أُمنية؟

عندما رفع المتظاهرون شعارَ “الشعب السوري واحد” في الساحات، لم يكن ذلك، على ما يبدو، إلا ردة فعل على معرفة كل سوري أن الشعب السوري في الحقيقة ليس واحدًا، وما ارتفع ذلك الشعار إلا على سبيل الأُمنية في مستقبل سوري، يكون فيه الشعب متكاتفًا متحدًا على رؤية سورية واحدة.

ربما كان الشعب السوري واحدًا في اشتراكه بنقطة واحدة، هي أنه -بكل مكوناته وألوانه- كان يعاني من قمع النظام وأدواته، حتى أولئك الذين كانوا يُحسَبون من أتباعه ومواليه، فهم لم يكونوا إلا أدوات يرميها عند انتهاء صلاحيتها.

يقول السيد زياد حاتم السباعي من منظمة وطن لـ (جيرون): “حسب إيماني بالإنسان السوري كان الهتاف يعبّر عمّا يتمناه الشعب السوري، بكلا طرفَيه المؤيد والمعارض، حيث كان كل قلب يرجف لسماع ذلك الهتاف. بعض السوريين كان يرقص فرحًا ونشوة، ومنهم من كان يصاب بالرهبة والخوف من المجهول، ومع ذلك هناك بقعة حب صادقة في داخلهم لهذا الهتاف”.

نعم لعقود مرت ليست بقليلة، لم يكن الشعب السوري واحدًا بالمعنى الكامل لهذا الهتاف، فعندما يكون ولاء الفرد، لجهةٍ ما، أكبر من ولائه للوطن، كيف له أن يشعر أنه وجاره أو ابن المدينة المجاورة له واحد؟

وعندما لا يؤدي خدمةً أو حتى واجبًا عليه لابن بلده وشريكه في المواطنة إلا مقابل “سمسرة” وكأن الأمر أصبح عرفًا، ومن لا يتبعه فهو عديم الحيلة، وعندما لا يتجرأ أحدهم على الكلام بحق سلطة جائرة خشية أن يسمعه أقرب ذويه، وعندما تبقى نظرة ابن المدينة لابن الريف فوقية حتى في المحافظة الواحدة، وعندما يكون شعار الفرد في المجتمع “اللهم نفسي”، أو “كل عين تبكي، ولا عيني تدمع”، وغير ذلك من الأقوال المشابهة التي تكرس الفردية لا الانتماء إلى الأكثرية أو إلى الوطن، عندها يكون الشعب ألف ألف واحد.

لعلّ ما طفا، بعد الثورة، على السطح هو حصيلة تلك التراكمات التي كانت داخل النفوس على امتداد الوطن بأكمله، وقد تجلى ذلك بوضوح في دول اللجوء، حيث السؤال الأول الذي يطرحه السوريون على بعضهم قبل محاولة معرفة اسم الشخص، هو من أي مدينة أنت، وكأنه لا يكفيه أن يكون سوريًا فحسب.

يعتبر السباعي أن “الشعار لم يسقط على الرغم من تجاذبات السوريين، وخصوصًا بين الفئة المعارضة للنظام من الشباب المؤمن بروح الثورة، وعلى الرغم من أن كثيرين منهم أجبروا على النزوح ثم الهجرة إلى بلاد المنفى”.

اكتشف السوريون بعضهم البعض في دول اللجوء، فماذا كان يعرف ابن حماة عن ابن السويداء، وماذا كان يعرف ابن درعا عن ابن الحسكة، وماذا يعرف السوريون كلهم عن الجولان المحتل؟ ولماذا خاف الكثير من أبناء الأقليات من سطوة الأكثرية، إذا ما نجحت الثورة، ولم يناصرها إلا من كان معارضًا أصلًا قبل اندلاعها، إضافة إلى قلة قليلة أخرى، على الرغم من مساندة الكثير من أبناء الأكثرية للنظام، على مدى سنوات حكمه وبعد الثورة، الأمر الذي ساعده على البقاء والصمود. والسؤال الأهم: لماذا لم يساند السوريون بعضهم، عندما قامت محاولات ضد النظام، في بداية هذا القرن سواء في السويداء أو في الحسكة.

نحو نصف قرن من الزمن كان كافيًا لترسيخ التفرقة بين السوريين، وهو ما عمل عليه نظام البعث، منذ بداياته بإطلاق شعارات قومية وحدوية رنانة، لكنها على المستوى الوطني كانت سرطانًا يتفشى آكلًا المعاني الحقيقية للمواطنة والتآلف والشعب الواحد، على الرغم من مظاهر التعايش العام الذي كان سائدًا بين الناس في ظله.

إن سوء طالع السوريين كان تزامُن ثورتهم مع وجود رئيس من شريحة أقلية؛ ما عكس لدى الكثيرين فكرة الانقلاب على العلويين، لا على النظام الفاسد، دون أن يدرك ذلك الكثير من الشعب أن هذه الثورة ليست الأولى التي ينتفض فيها الشعب ضد نظام دكتاتوري، كان حينئذ ينتمي للشريحة الأكبر في البلد، وربما أبلغ مثال على ذلك قيام التظاهرات في عدد من المدن السورية ضد قصف الرئيس أديب الشيشكلي، في خمسينيات القرن الماضي، مدينة السويداء، لكنه فهِمَ، على دكتاتوريته، أن البلد أكبر منه.

يبدو أن السوريين الذين يطمحون إلى أن يكونوا شعبًا واحدًا لم يُوفقوا، في ذروة أزمتهم ومشكلاتهم، بقيادةٍ تُوحّد رؤاهم وتكون مقنعة للجميع، وتعمل من خلال برنامج وطني واضح، بل ما زالت المعارضة عبارة عن أفراد، يرى السوريون في بعضها النزاهة والوطنية، ولم يناصر قضيتهم حتى من ادعى صداقتهم.

وحسب السباعي، فقد كان ذلك الهتاف “السلاح الأقوى والأول الذي أشهر في وجه نظام المافيا الأسدي، هذه الصرخة، لو لم يقف النظام العالمي في وجهها، كانت ستصيب النظام في مقتله”. ويعتقد السباعي أن “بعد انتهاء اللعبة الدولية في سورية، ولو بعد عشرين سنة، سيتجلى هذا الهتاف على أرض الواقع؛ فالبذرة السورية ليست وليدة هذا الزمان، بل عمرها آلاف السنين”.

سورية العمق في التاريخ ستنهض بشعبها كما يتوق، على الرغم من معرفته أن الجدران التي بناها الطغيان لعشرات السنين فيما بينهم كانت قوية، لكن الشعب سيهدمها، وربما ستكون سنوات الثورة التي نبشت السلبيات أكثر ما أنارت الإيجابيات، بمنزلة بعض النار التي لا بد منها، لإعطاء المعادن الثمينة قيمتها الحقيقية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق