قضايا المجتمع

بدون عدالة سيبقى الجمر تحت الرماد

إن مطلب تحقيق العدالة الانتقالية لم يعد ترفًا اليوم، بل أصبح حاجة ضرورية وملحة لإرساء السلم الأهلي، في أي مجتمع تعرض لحروب أهلية ونزاعات داخلية حادة، من خلال تطبيق آليات العدالة الانتقالية التي تبدأ بمحاسبة ومحاكمة مجرمي الحرب، وعزلهم عن المجتمع، وتعويض المتضررين، وتخليد ذكرى الضحايا، ودعم إجراء مصالحة وطنية شاملة، وكشف الحقيقة، ودعم عملية الإصلاح المؤسساتي، ولا سيّما القضاء والأمن والشرطة والجيش؛ بما يعزز من سيادة القانون والحريات على أساس احترام حقوق الإنسان، والأخذ بمبدأ الديمقراطية في إدارة الدولة.

العدالة الانتقالية تقوم، في الأساس، على تحقيق فكرتين وثيقتي الصلة ببعضهما، وهما فكرة أهمية حقوق الإنسان، وفكرة أهمية المحاسبة؛ ولا بدّ من الاقتناع بهاتين الفكرتين، إذ لا عدالة من دون محاسبة ولا محاسبة من دون عدالة، ولا سيّما في المجتمعات التي حدثت فيها جرائم كبيرة وانتهاكات خطيرة لحقوق الانسان، والعدالة الانتقالية ليست بديلًا عن المحاكم الوطنية، بل هي طريق استثنائي لجعل المحاسبة أمرًا واقعًا في ظروف استثنائية.

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم بإلحاح هو: كيف يمكننا -السوريين- تطبيق مبدأ العدالة الانتقالية، وتحويلها إلى واقع ملموس، في بلد مدمّر بشريًا واقتصاديًا مثل سورية؟ باعتقادي أن إمكانية تحقيق ذلك ليست بالمهمة المستحيلة، إذا ما أحسنّا الاستفادة من التجارب الأخرى، ونجحنا في الترويج لمفهوم العدالة الانتقالية، بما يناسب مجتمعنا بوصفه أساسًا يمكن أن يساعدنا في إخراج سورية من أزمتها ويسهّل عودة السلام إليها، على أساس احترام حقوق الناس وحرياتهم وتعويض المتضررين وتكريم الضحايا ومحاسبة المسؤولين الذين أجرموا بحق الشعب السوري، وإن تحقيق هذا الأمر يتطلب منا جميعًا تفكيرًا عميقًا وبذل جهود كبيرة ودعمًا واضحًا من المجتمع الدولي.

فسورية التي تمر اليوم بظروف أقسى وأشد بكثير من تلك التي حدثت في بلد آخر، حيث ارتكبت -وما زالت تُرتكب- فيها الفظائع الجماعية التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ المعاصر، هي بأمس الحاجة اليوم إلى الأخذ بمبدأ العدالة الانتقالية، كأساس لإعادة السلام والأمن في المجتمع السوري الذي مزقته الحروب والتدخلات الخارجية التي فاقمت من مأساة السوريين، فأعداد القتلى، وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، فاق ثلاثمئة ألف قتيل، وأكثر من ستمئة ألف قتيل، وفقًا لتقديرات أخرى، وهو المرجح، ومئات آلاف المعتقلين والمفقودين وملايين المهجرين، وعشرات الآلاف من المعتقلين الذين ماتوا تحت التعذيب، فضلًا عن الدمار الهائل في الممتلكات العامة والخاصة، وفوق كل ذلك انتشار الأحقاد والضغائن التي حفرت عميقًا في نفوس السوريين.

إذا ما أردنا للحرب أن تتوقف فعلًا في سورية، وأن يستعيد المجتمع السوري عافيته ليتمكن من إعادة بناء الدولة السورية، على أساس سيادة القانون والأمل بإرساء سلام دائم، فلا بد من محاسبة المسؤولين عن كل تلك الجرائم الفظيعة التي ارتكبت -وما زالت ترتكب- في سورية. إن تلك الجرائم الفظيعة لا يجب بل لا يجوز أن يشملها أي عفو، فالقانون الدولي يحظر إصدار عفو عن مرتكبي الجرائم الدولية الخطيرة، مثل الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب. وإذا ما قصّرت السلطات الوطنية عن الوفاء بالتزاماتها من خلال التحقيق في مثل هذه الجرائم ومحاكمة مرتكبيها؛ فيتعين على المحكمة الجنائية الدولية أن تتدخل كي تضمن تحقيق درجة معينة من العدالة.

المحاسبة التي نرجوها ليست بالتأكيد محاسبة كلّ من أجرم بحق الشعب السوري، فهذا أمرٌ يستحيل تحقيقه نظرًا إلى الحجم الهائل للجرائم المرتكبة في سورية، وإنما نقصد هنا محاسبة المجرمين الكبار الذين ارتكبوا “جرائم حرب وإبادة وجرائم ضد الإنسانية وجرائم التعذيب والاغتصاب”، ولا تهاون في ذلك. وهذه المحاسبة يجب أن تقوم على أساس الصفة الفردية للمجرمين واستنادًا إلى أدلة موثوقة تُقدم إلى محاكم قائمة ومشكلة وفقًا للقانون. وهذا يتطلب وجود مؤسسات قضائية قوية ومستقلة ومحايدة بعيدًا عن أي تأثير سياسي أو ديني. ومن دون تحقيق تلك الإجراءات؛ ستظل جميع الجهود الأخرى لتحقيق العدالة الانتقالية مهددةً بالفشل المحتم. ونحن لا نريد تكرار ما حدث قريبًا منا في العراق، حيث تحققت “عدالة المنتصرين” في الحرب، وأقيمت محاكمات معيبة عمّقت الجراح في العراق التي تسبب بها نظام صدام حسين بدلًا من العمل على شفائها.

وإلى جانب المحاسبة لا بد من البحث عن حقيقة ما جرى في سورية، بصفته شكلًا من أشكال المحاسبة، ويستحسن هنا تشكيل لجان وطنية تبحث في حقيقة ما حدث في سورية، وتعمل على إجراء مصالحات على مستوى البلاد، وأن يتم الإقرار والاعتراف بمعاناة الضحايا وإنصافهم وتعويضهم، والأهم هو مساعدة الأسر في الكشف عن مصير أبنائها وتكريمهم وتخليد ذكراهم.         يرى كثير من السوريين اليوم أن تغييب مسار العدالة الانتقالية عن أي حل للقضية السورية سيقلل من فرص تحقيق السلام في المجتمع السوري، وبالعكس من ذلك يعتقدون أن استحضار مسار العدالة الانتقالية سيفتح المجال أمام السوريين لتحقيق سلام حقيقي، وليس مجرد وقف الأعمال العدائية الذي اتحفتنا به روسيا، وأن السوريين باتوا مقتنعين أكثر فأكثر بأن الأخذ بفكرة العدالة الانتقالية سيساعدهم في معالجة تبعات الحرب، تمهيدًا لإعادة بناء سورية من جديد على أساس من السلام واحترام حقوق الإنسان.

باختصار شديد، إن عدم الأخذ بفكرة العدالة في القضية السورية هو كمن يُبقي الجمر تحت الرماد، لا يُعرف متى يشتعل مرة أخرى، بشكل أقسى وأشد من السابق.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق