تحقيقات وتقارير سياسية

فالق جيو اجتماعي سياسي والزلزال الكبير

الفالق -جيولوجيًا- هو الصدع أو الكسر أو التشققات في الكتلة الصخرية لقشرة الأرض، مصحوبة بحركة انزلاق أو إزاحة في منسوب الطبقات الصخرية على جانبي الكسر، وتكون هذه الحركة إما انتقالية أو دورانية أو انتقالية دورانية.

وتحدث الزلازل -وفق نظرية الارتداد المرن- نتيجة تعرض صخور القشرة الأرضية إلى ضغوطات وتشوهات على مدار السنين؛ تجعل مسارها الطبيعي يتغير وينتج قوى هائلة تتضاعف مع الزمن، وإذا زادت هذه القوى الناتجة عن قوى الاحتكاك بين الصخور؛ تحدث الإزاحة على جانبي الفالق مسببة انطلاق الطاقة المحبوسة، إما على هيئة حرارة (براكين) أو موجات ارتدادية (زلازل).

تتميز المنطقة الممتدة، من أفغانستان شرقًا حتى المملكة المغربية غربًا، بوقوعها على عدة فوالق جيولوجية، أهمها فالق البحر الأحمر وفالق زاغروس وفالق المحيط الهادي، وتتكون من عدة صفائح، أهمها الصفيحة العربية والصفيحة الإفريقية والصفيحة القارية الإيرانية، وتشكل حزامًا زلزاليًا ناشطًا طوله نحو 1000 كيلو متر، يربط جبال زاغروس بالبحر الأحمر. وفي شمال غرب أفريقيا، يحدث تصادم قاري أكثر تعقيدًا، على طول حزام جبال الريف وأطلس من ليبيا حتى المغرب. وفي الشرق حزام المحيط الهادي الممتد من جنوب شرق آسيا بمحاذاة المحيط الهادي شمال مرورًا بأفغانستان وباكستان ودول آسيا الصغرى. من الواضح أن بنية القشرة الأرضية لهذه المنطقة -وإن تنوعت جيولوجيًا بوقوعها على ثلاثة أحزمة زلزالية- تشكل، في البنية السياسية الاجتماعية، فالقًا زلزاليًا واحدًا لا تمنع الجغرافية أي اهتزاز فيه، في أي مكان، من تحرك أو اهتزاز القشرة السياسية الاجتماعية في الأماكن الأخرى. هذا الفالق عميق عمق التاريخ بمشكلاته وصراعاته السياسية والدينية والاجتماعية مع ما صاحبها من تشققات واهتراءات في البنية الاجتماعية، أدت إلى إزاحات في القشرة الطبقية على جانبي الفالق في الظاهر على حساب الطبقة المتوسطة، مع تشققات سياسية ودينية، بلغت درجة الغلو في الصراعات الداخلية والبينية، تتلبس لبوسًا دينية ومذهبية تستند إلى أفهام دينية ملتبسة وإلى خلافات ماضوية لا معنى لها. لكن تحت القشرة ما تزال البنية الطبقية التي ازدادت شقوقها تنوعًا، وبخاصة الطبقة المتوسطة، من حيث الاصطفاف الاجتماعي الاقتصادي، ومن حيث وعي ذواتها، تتمظهر بشكل طاقة محبوسة تحت القشرة. كل شَق في هذه البنية، له اهتراؤه، ويشكل صفيحة مجتمعية أو دينية أو سياسية تتموضع في هذا الفالق الجيواجتماعي-سياسي، كحصن منيع، لكنه شديد الهشاشة، وربما تطلق هشاشته الطاقة المحبوسة على شكل اندفاعات ثورية، إما انتقالية أو دورانية أو كلاهما.

وبسبب الطبيعة المتشابهة للصفائح الاجتماعية والبنيات السياسية والدينية، في هذا الفالق، فإن ثورات الربيع العربي مثلًا، وربما قبلها الثورة الخضراء في إيران، بدت في البداية انتقالية؛ لكنها سرعان ما تحولت بفعل التشوه البنيوي والاهتراء الداخلي وضغوط العوامل الخارجية، إلى ثورات دورانية مكانية، انتهت إما إلى النكوص أو إلى تعميق حدة التشققات والتشوهات البنيوية، سواء في القشرة الطبقية أو في ما تحتها. هذه التشققات ستفاقم -دون أدنى شك- من ثورانية الطاقة المحبوسة في المستقبل المنظور، ربما لن يتجاوز منتصف هذا القرن.

إن الموجات الارتدادية للإزاحات الجيواجتماعية-سياسية، في الفالق الإسلامي تهز حوافيه من الشرق اليابان والصين والهند ودول جنوب شرق آسيا، ومن الشمال روسيا والاتحاد الأوروبي، ومن الجنوب دول أفريقيا الأكثر هشاشة، ومن الغرب تتحفز شراهة الولايات المتحدة الأميركية لمضاعفة سطوتها العالمية شرق الأطلسي. هذه الموجات تتمثل في التشققات والتشوهات التي تنقلها الهجرات البشرية إلى دول الحوافي والضغوطات المالية والاقتصادية والأخلاقية والثقافية عليها.

والسؤال الأبرز في هذا السياق هو: إلى أي مدى يستطيع العالم المعاصر، في ظل عولمة اقتصادية معرفية تقانية تتجه إلى مزيد ثم مزيد من تعميق العولمة على مساحة قشرة الأرض وباطنها، تَحَمُّل تبعات وإرهاصات هذا الفالق الإسلامي الرخو وإزاحاته المسببة للاندفاعات الحرارية والموجات الارتدادية المجتمعية؟

في تقديري -بناء على المعطيات الراهنة- أن قدرة العالم المعاصر على الاحتمال باتت محدودة، ما لم يحدث الزلزال الكبير، باندفاعات انتقالية، على طول وعرض الفالق الإسلامي، تتجسد بتغييرات عميقة في البنية السياسية والاجتماعية، وفي الوعي الجمعي الذي ما يزال، في الأعم الأغلب، مرتهنًا لثقافات دينية سطحية، وذلك من خلال: إصلاح ديني يتجه إلى معالجة الأزمات والصراعات التي تواجهها المجتمعات، ومراجعة نقدية للتراث، وبناء معارف وأفهام دينية جديدة، وإنتاج مقاربات منهجية عمومية، تتجاوز الجهود الفردية إلى اجتهادات بنائية، تعكس تطور العلم والتقانة الحديثة في مختلف الحقول، وتجيب عن التساؤلات الفلسفية والتطلعات المعاصرة. بمعنى أدق الانتقال من التقديس إلى الإبداع، من النقل إلى العقل، من الماضوية إلى الحداثوية، من اللاهوت إلى الناسوت، فالإنسان هو الحلقة المركزية في أي عملية إصلاح وتغيير، يصنع ويطور وسائل إنتاجه ومن خلالها يطور نفسه (قوى الإنتاج)، ويطور معها العلاقات الإنتاجية من علاقات تقليدية إلى علاقات حداثوية. لقد عبر عن هذه الجدلية ابن خلدون في مقدمته، بقوله: “إن العلوم تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة…”. ص67، و”إن الإنسان متميز عن بقية الكائنات بالفكر، وإن هذا الفكر هو من يخلق العلوم والصنائع وبالتالي الحضارة والعمران”. ص777

في السياق ذاته لا مجال لإصلاح ديني يعزز مركزية الإنسان دون إصلاح سياسي، يسبقه أو يوازيه، كما حدث في اليابان، بعد الحرب العالمية الثانية، عندما ترافقت الديمقراطية جنبًا إلى جنب مع مراجعة نفوذ الإمبراطور “الميكادو”، في السياق العقدي للديانة الشنتوية. أو ربما يحصل ما يشبه الإصلاح الديني البروتستانتي السابق للإصلاح السياسي (مارتن لوثر في ألمانيا، كالڤن في سويسرا) وصراعه مع المؤسسة الدينية والسلطة السياسية الذي انتهى بنتائج عظيمة على الحضارة الغربية المعاصرة، عبر وعي الانتقال إلى بنية سياسية اجتماعية أرقى هي الرأسمالية.

إن تفكيك بنية الاستبداد السياسي والديني، كل على حدة أو بوحدتهما، هو بداية الطريق لإعادة الفلسفة إلى الحياة بفقه الإنسان الذي يتم العبور، من خلاله إلى فقه الله في مجتمعات الفالق الإسلامي الرخو. حينئذ لا يهم الإنسان التعرف على الله من رجل دين أو نصوص قديمة ليس بقدم الإنسان ذاته، ما دام بمقدوره وعي الله بقيم الحرية والعدالة والمساواة المكفولة بالعقد الاجتماعي والقانون، كما لا تعنيه الطقوس والشعائر الدينية، ما دام يتحلى بفضائل الأخلاق التي تجمع عليها الأديان، ففي جميع الحالات تغدو المسألة مسألة حرية اختيار بالنسبة للإنسان “لا إكراه في الدين”. كما يصلب صفائح البنية الطبقية المتشققة، ويؤسس لدولة مدنية حديثة، مع فهم مختلف لروح العصر يُمَكن مجتمعات الفالق الإسلامي من لعب دور الفاعل فيه والمتفاعل معه لا المنفعل به. وعندئذٍ فقط يستطيع سكان هذا الفالق، من خلال استقرارهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي على سطح قشرة الأرض الممتدة من أفغانستان حتى المغرب، التعامل بحكمة مع ما يحدث في قشرتها من تصدعات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق