هموم ثقافية

المرآةُ التي ابتلعتني

  • “مرآةٌ هي الحياة

ذواتنا فيها نرى

لذلك ندعوها بالرغبة الأولى

عن التّطلّع إليها لا ننقطع”

نيتشه

هل الحياة هي حقًا مرآةُ ذواتنا، كما قال نيتشه في مطلع قصيدته هذه؟!. وكما قال مبدعون كثرٌ قبله وبعده؟!

الحياة، الحياة… إن كانت فعلًا كذلك، فكيف لنا أن نغيّرها إن لم نغيّر أنفسنا؟!

إن كانت فعلًا كذلك، فكم علينا أن نثور ثمَّ نثور على أنفسنا، على ذواتنا المكتظة بكل الأشياء البشعة والمؤذية، كي نعيشَ الحياةَ التي نحلم بها؟!

أفكِّرُ في ذاك المطلعِ، في تلك الفكرة وأبحرُ في الخوف، أنا الشابّة التي تعيشُ الآن في بقعةٍ صغيرةٍ من هذا العالم، اسمها سورية، أنظرُ إلى الحياةِ فيها، فاتحةً عينيَّ إلى أقصى اتّساعٍ ممكن؛ فأرى ما يرعبُ القلب ويزلزل الروح.

هذا المخيفُ الذي أراه، هل يمكنُ أن يكونَ حقًا في داخلي؟!. هل ذاتي مخيفةٌ بشعةٌ فوضويّةً إلى هذا الحدّ؟! هل.. هل؟!

البزّات المموّهة، الوجوهُ العابسةُ التي تقدحُ شررًا وسخريّةً سوداءَ، كلّما اشتمّت رائحةَ “لا”، أو لمحت طرفَ جناحٍ ولو كان مخبأً بحِرص! المتاريسُ وفوهات البنادق، شهوة القتلِ والفتكِ والانتقام التي تطوفُ هنا وهناك، في كلِّ مكانٍ وزاوية! أكوامُ الجثث التي يتكاثف حولها الذّبابُ والبعوض، والكلابُ المسعورةُ وأكلة لحومِ البشر! حاوياتُ القمامة التي تزخرُ بكلِّ أنواع الأحياء المجهريّة والمنظورة، ذات الذيولِ وذاتِ المخالبِ وذاتِ العقول، الحاويات التي صارت نقاطَ عَلّامٍ ولافتاتٍ تنظِّمُ جغرافيَّةَ أحيائنا ومدننا! الأبنية المهدّمة والحاراتُ المقلوبةُ رأسًا على عقب! البسطات المزدحمة بشتى البضائع سيئة الصنع، السُّلع المقلّدة، الأطعمةُ منتهية الصلاحية، الأدوية المغشوشة، التّجّار المكشّرونَ عن أنيابهم، تجارُ الحجرِ والبشرِ والحروب… الأراملُ واليتامى والشّباب الذين تكلّلهم نسبٌ عاليةٌ من العجز، المرضى والجوعى والفقراء! السّجّانونَ والمعتقلونَ والمخطوفونَ والمجرمونَ ووحوش القصور الفارهة! المتشرَّدونَ والمتسوّلونَ والمدمنون…! فسيفساءُ غنيّةٌ كثيفةُ المعنى والـ “لا معنى”، تفوحُ منها رائحةٌ كريهةٌ تحفِّزُ المعدةَ على الإقياء، بل تستفزُّ الرّوحَ على بصقِ نفسها مئات المرّات..

هل هذه الفسيفساءُ الفاقعةُ الشّائهةُ ليست سوى ذاتي؟! يا للفزع…! لو أنني أنعمُ بالعماءِ الآن، فلا أرى نفسي هذه. لو أنّ أنفي يسقطُ الآنَ بعيدًا تحتَ سابعِ أرض، فلا أشمُّ نفسي هذه! لو أنَّ أذنيَّ تتكوّرانِ كدودتَينِ وتنسلّانِ منّي، فلا أسمعُ نفسي هذه! لو أنَّ.. لو أنَّ .. لو…

أقفُ أمامَ مرآتي الآن، في هذه السّاعةِ من آخرِ الليل، أرفعُ ظهري المقوّس كقمرٍ عجوز، أغمضُ قلبي وأعوي، أعوي بحدّةٍ تكسرُ المرآةَ إلى عشرة، مئةِ، ألفِ قطعة. صوتُ التّكسُّرِ حادٌّ، بل أكثرُ حدّةً مما أحلُم. أصغي إليهِ منتشيةً، أخفضُ ظهري المقوّس كابتسامةٍ مقلوبة، أفتحُ قلبي وأنظر، أنظرُ بوقاحةٍ، بسخريةٍ لا تكتمل. ماذا أرى!! نفسي التي كانت واحدةً صارت عشرة، مئة، ألفًا… منّي، من الفسيفساء المتوحّشةِ التي تشكّلني.. ألفٌ من الحيوات.

الحياة.. الحياة.. أحاولُ الهربَ، أحاولُ تحريك قدميَّ نحو البعيد، شيءٌ ما يمنعهما من ذلك، شيءٌ ما يمسكهما بقوّة، شيءٌ ما يسحبهما نحوَ الأسفلْ. شيءٌ ما يمنعني من التنفس، من الرؤيةِ والشمِّ والسّمع. شيءُ ما يبتلعني على دفعات. شيءٌ ما بفمٍ.. بعشرةٍ.. بمئةٍ.. بألفِ فم.

مقالات ذات صلة

إغلاق