مقالات الرأي

صراع المنصات ومطالب الشعب

لم يعد الصراع مع النظام هو المشكلة، فقد أصبحت المشكلة -اليوم- في التوافق بين المنصات الإقليميّة على رؤية موحدة؛ ولم يكن اجتماع المنصات في الرياض أوّل محاولةٍ للتوافق على كيفيّة الحلّ في البلد المدمّر سورية، ولن يكون الأخير، كما يبدو.

منصتا الرياض وموسكو متباعدتان، ومنصة القاهرة أقرب للرياض، وتحاول أن تكون مُحنّكة سياسيًّا؛ فقد أكّدت ثوابتَها بخصوص الرئيس الأسد والإعلان الدّستوري، وعلى عكس ذلك منصة موسكو؛ فقد رفضت ذلك واعتبرتها شروطًا مُسبقةً كما رؤية النظام تمامًا، وهنا التجانس كاملٌ، منصة القاهرة ما زالت تُدوّرُ الزوايا، وستظل كذلك كما يبدو إلى زمن غير قريب.

قضايا الخلاف التي تبدّت في اجتماع الرياض تقول بانعدام أيّ تقارب بين موسكو والرياض، وبأن قدري جميل يُمثّل النظام؛ وبالتالي من أكبر الأخطاء اعتباره معارضًا، ولأنّ الأمر اعتُبر كذلك؛ فإن منصة الرياض تتحمّل المسؤولية. الضغط السعودي المدفوع أميركيًا، للتوافق بين المنصتين المذكورتين، هو السبب كما يبدو، ولكن أيضًا، هناك انتهازية منصة الرياض ذاتها، فهي طيّعة ومرنة وتخدم مصالح الدول الداعمة لها، وبالتالي لا خيار أمامها إلّا القيام بالحوار، وإن فَشِلَ.

قضية الانتهازية لا تتعلّق فقط بالتبعية إلى الخارج؛ فالأساس فيها مسألة الهامشيّة التي أصبحت عليها، والتي تزداد تباعًا بعد أن فرض الجولاني سيطرته على إدلب، وأصبحت حلب الشرقية خالية من ثوارها، وبالتالي لا تمثيل شعبيّا لها؛ وأهل درعا وغوطة دمشق لهم ممثلوهم في مسار أستانا وجنيف والقاهرة، وبالتالي بالمعنى الدقيق، هيئة الرياض و”الائتلاف الوطني” أصبحا مجرد قوى سياسيّة معارضة، تسعى لضمان مصالحها، من خلال جولات جنيف اللامتناهية، وأينما تُدعى كذلك.

ما ذكرته عن فشل المنصات وهامشية قوى المعارضة المحددة أعلاه، متعلّق بسياساتها طوال السنوات السبع، وبغياب توافقٍ أميركي روسي، على حلٍّ محدّدٍ للوضع السوري. بالتأكيد رفضُ النظام أيّ حلولٍ سياسيّةٍ، منذ 2011، يُعتبر السبب الرئيس لدمار سورية، وضمن هذا الإطار تمّ استدعاء كلّ من إيران وروسيا والجماعات الجهادية، لإنقاذه من السقوط. الدول الإقليميّة لم تفعل شيئًا حقيقيًا لتغيير هذه المعادلات، وما فعلته -وقد فعلت كثيرًا- كانت نتيجته المساهمة في تخريب الثورة وتدمير سورية واحتجاز الثورات العربية في سورية، وتحويلها إلى حروبٍ أهليّة وطائفيّة ودمارٍ للبلدان، في كل من سورية واليمن وليبيا.

بخصوص الفكرة الأخيرة، أي أن الهوية السورية أو العربية أصحبت طائفية أو إثنية أو تابعة لدول إقليمية، ويمكن اعتبار كل رفض للهوية الوطنية ضمن هذا الإطار؛ أقول هذه الفكرة ليست متعلقة بالهويات الدينية والقومية ذاتها، بل هي متعلقة بفشل الدولة في تلبية احتياجات الشعب، وفي السير نحو الدولة الوطنية، أي تمثيل الكل المجتمعي وفقًا لمبادئ المواطنة والفرد، وفصل السلطات، والدستور الوضعي، ومساواة المرأة بالرجل في كافة مؤسسات الدولة، وبالطبع تحييد الدولة عن الأديان أو القوميات.

أيضًا ما نراه من بروز للهويات الدينية لا نجد سببه في الهويات ذاتها، ولو كان كذلك لما توقفت عن البروز والاشتداد، إذًا القضية في مكانٍ آخر، وهي بالتحديد في سياسات الدولة كما أصبحت كدولةٍ شموليّةٍ، تستثمر في كل موارد المجتمع (الاقتصاد والأديان وسواهما) لديمومة السلطة المسيطرة عليها، والتي هي في ذلك تتماثل وتتطابق وتتجانس مع المافيات في تعاطيها مع الشعب.

ضَعُفت الدولة السورية وهُمِّشت السلطة المسيطرة عليها، وهناك انبعاث للهويات الدينيّة والمذهبيّة والإثنيّة كبير للغاية؛ وهذا يعني أن هناك جانبًا من الصراع يُخاض لهذه الاعتبارات كذلك، والمشكلة أنّ هناك من يذهب بالوهم فيرى الصراع في سورية طائفيًّا بامتياز. الآن تعقّد المشهد كثيرًا، والعامل الخارجي أصبح عاملًا رئيسيًا لإدامة الصراع؛ فالنظام مستمر بسبب الإيرانيين والروس أولًا، وبسبب التواطؤ الدولي على الثورة ثانيًا، وثالثًا هناك الجهاديون الذين يقدّمون الذريعة لتأجيل الحل السياسي ولبقاء النظام وللتخريب على ما تبقى من الثورة، ولدمار سورية، وأخيرًا لاحتلالها بكل معنى الكلمة.

لنفترض أنّ الجهاديين -وهو ما سيكون- انتهوا، فهل سيتراجع الانبعاث الهوياتي؟ وما هو دور هذه المنصات، وبقية المعارضة السياسية في محاصرة الانبعاث هذا؟ طبعًا استمرار سياسات النظام ذاتها وخطابات قيادته، تُؤجج هذا الانبعاث بالضرورة.

راهنتُ طويلًا ومنذ سنوات، على أن لا مكان للجهاديين في سورية، وعلى أنّ السوريين لم يكن هدفهم الأسلمة، بحال من الأحوال، وأن ثورتهم كانت من أجل “الشعب السوري الواحد”. خُربت الثورة بتسليط الإسلاميين عليها، وظهرت خيارات كارثيّة في السنوات السابقة. الآن هناك خيارات جديدة، وتنبثق بالتحديد في المناطق التي ستتوقف فيها الحرب، وهو ما أشرت إليه في مقالي السابق في (جيرون) “من المجالس المحلية إلى استعادة دور الشعب”. الخيار الشعبي هذا هو الوحيد الذي يمتلك الرد الفعلي على هامشية المنصات السياسية، والتي أصبحت إقليمية، والعمل من أجل كل السوريين.

حاول الدكتور عبد الله تركماني التأسيس لفكرة جامعة للسوريين، في مقاله الأخير في (جيرون) “من (الشرعية الثورية) إلى الشرعية الدستورية” وفهمتُ من النص أن الشرعية الثورية الخاصة بالثورة -كما أيّ شرعية سابقة في تاريخ سورية- أصبحت لاغية، ولم يعد مُمكنًا، بسبب تطورات الثورة والصراع على سورية، أن يتم الاستمرار في تبنيها؛ وبالتالي يجب أن يتركز صراع السوريين نحو إشادة دولة حديثة تستوعب الجميع، وهو يفترض العمل، وفق مفاهيم المواطنة والعدالة والدستور الوضعي وفصل السلطات.

هل يمكن أن يتحقق هذا الحلم، وسورية تدخل في مرحلةٍ تفتقد فيها أيّ توافق سوري سوري؟ طبعًا ليس الحل أن تُوضع سورية تحت الإشراف الدولي، كما يتوهّمُ كُتابٌ سوريون وسياسيون ليسوا قلّةٍ؛ وأضيف أنّه بالرغم من التعقيدات التي أشرت إليها آنفًا، فإنّ كافة القوى والفعاليات السياسية والثقافية السورية معنية بترك “الثورية” والانشغال بالمشتركات، وبما يستجيب لأهداف الثورة في تحسين الحياة العامة لكافة السوريين، من ناحية الوضع الاقتصادي، ورفض أي سياسة إعماريّة لا تنطلق من النهوض بالصناعة والزراعة أولًا، واعتماد الديمقراطية، وفق المواطنة كشكل للنظام السياسي ثانيًا، ورفض أيّ صفقة تسمح بتطييف النظام السياسي، ضمن مساومات تُؤسس لسورية المحتلة، كحالِ العراق ولبنان.

مقالات ذات صلة

إغلاق