كلمة جيرون

المختفون قسريًا هذا الصباح

هذا الصباح، يحتفل “بعض” العالم “بروتوكوليًا” باليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، بينما يستذكر السوريون أحبابَهم المُغيّبين قسريًا في زنازين وسراديب أجهزة الأمن السورية وميليشياتها.. ينتظرون عودتهم، رؤيتهم، تقبيلهم، ولو مرة واحدة، بل سماع خبر منهم أو عنهم، إن كانوا ما يزالون على قيد الحياة، ولم تبتلعهم مقابر النظام الجماعية.

هذا الصباح، تُسابق تلك المرأة العجوز الشمسَ في نشاطها، تُحضّر ثياب أحفادها الستة، وتعد لهم إفطارهم، وكتبهم، وتُخفي عنهم جرحًا مقيمًا في قلبها، أملًا بأن يعود والدُهم قريبًا، ليستمتع برؤيتهم قبل أن يكبروا ويصبحوا رجالًا.

هذا الصباح، تشرب تلك الأم قهوتها بشرود، وهي تُفكّر بوحيدها الذي اختفى منذ سنوات، ليلة خطفته طيور الظلام من سريره إلى غياهب السجن. تبحث في بقايا قهوتها عن أي “دلالة” غيبية، تُطمئنها بأنه ما يزال حيًّا، وسيعود.

هذا الصباح، تستيقظ تلك الصبية، في عمر الورود، وتبدأ حلمها اليومي الذي لا تكلّ من تكراره، بأن يعود حبيبها وشريكها، ليملأ حياتها أمانًا ودفئًا.

هذا الصباح، يلعب أطفال لهم سحنة القمر قرب خيام لجوئهم، لا يعرفون ما حصل في بلدهم، سوى أن “الرجال الشريرين” قتلوا أقاربهم، ودمّروا بيتهم، واختطفوا أباهم، وهم على يقين بأنه سيعود، فقد وعدهم أن يبقى إلى جانبهم إلى أن يموت، ولحسن حظهم أنهم لم يروا “صور قيصر” حتى لا يشاهدوا ماذا فعل أبالسة الموت الطائفيين بأبيهم.

هذا الصباح أيضًا، يقرأ ذاك الأب المُعذّب، كل ما تنشره مواقع المراصد الحقوقية السورية، على أمل أن يجد اسم ابنه، الذي اختطفه رجال الأمن من جامعته، التي انتهكوها، وقد وطّن نفسه على أن يقرأ الاسم، سواء في قوائم المعتقلين أم قوائم القتلى.

هذا الصباح، يكتم ذاك اليافع دمعته، فقد بات مسؤولًا عن عائلة كاملة بعد أن اختفى أبوه، عند أحد الحواجز الأمنية. كان يجب أن يعيش كطفل، لكنّ عنف النظام حوّله إلى رجل، عليه أن يعمل من الفجر حتى المغيب، وأقصى أحلامه أن يعود الغائب، ليحمل معه عبئًا شوّه حاضره.

هذا الصباح، تمرّ المناسبة بائسة كئيبة على ملايين السوريين الذين فقدوا أحبابهم، دون أن يعرفوا مصيرهم، خطفهم النظام وأعوانه وميليشياته ومرتزقته، وبعض أشباههم من المنفلتين، وبعض العصابات التي أفرزتها حرب النظام الوسخة.

في سورية اليوم، عشرات، بل مئات الآلاف من المغيّبين قسريًا، ثم يأتي معتوه ليقول -بعد كل تلك الجرائم- إن “الحرب تلاشت وفاز الأسد، وإنه سيبقى، ولن يخضع للمساءلة، وإيران ستبقى في سورية، وعلى الجميع تقبّل هذه الحقيقة”! ويأتي هُلاميون ليفترضوا أن هذا الأمر بات بديهة! لكن… حتى لو افترضنا أن السوريين نسوا مليونًا من القتلى -ولن يحدث هذا- فكيف يمكن لملايين السوريين أن يقبلوا ببقاء ونجاة من قتلَ وغيّب قسرًا، وأخفى في سجونه وعذّب وشوّه وأمعن في فنون الإجرام!

الحق لا يضيع مع مرور الزمن، ولا يفنى، ولا يُنسى بالتقادم، والمجرم لن ينجو مهما فعل، وسيُحاسب ولو بعد حين، والعدالة ستُطبّق عليه وعلى من شاركه جرائمه التي لم يعرف مثلها القرن الأخير، ودموع مئات آلاف الأمهات لن ترحم القاتل، وستنتقم منه، وستطارده في يقظته ومنامه، كوابيسُ تظل تفتك به إلى يوم يُبعثون.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق