مقالات الرأي

حلّ سياسي… أم تسوية سياسية؟

قد لا تبدو الفروق واضحة بين التعبيرين، لكن إن أردنا التدقيق، ومقارنتهما بما يُطرح من مشاريع؛ عرفنا أن خلافًا كبيرًا في المضمون يصل إلى حدود المفارقة، والتناقض.

في حزيران/ يونيو 2012، أصدر مجلس الأمن بيان (جنيف 1) للحل السياسي من مجموعة من البنود المتتالية، فيما اعتُبر مبادرة متكاملة ارتكزت على عملية الانتقال السياسي من نظام استبدادي أحادي إلى آخر ديمقراطي، تعددي يرتكز إلى تشكيل هيئة حاكمة انتقالية بصلاحيات كاملة من قبل النظام والمعارضة، وبرضى الطرفين، ثم مجموعة من البنود والمهام التي وزعت على ثمانية عشر شهرًا.

المجلس الوطني -حينها- رفض القرار، ثم سرعان ما وافق عليه، ليصبح حجر الزاوية في الحل السياسي الذي عقدت، تحت عنوانه، جولات جنيف المتلاحقة، وصولًا إلى “الحلقة السابعة” دون إحراز أي تقدّم، بل بعيدًا عن الاقتراب من نصوصه، بسبب الرفض المتواصل من النظام المدعوم من روسيا بقوة نفوذها ووجودها عضوًا في مجلس الأمن يملك حق النقض، وتفسيرًا وتكاملًا لذلك البيان، وتطويرًا وتبديلًا لبعض فقراته صدر القرار 2254، وكانت البصمة الروسية واضحة فيه، بخاصة من جهة إقحام منصات أخرى واعتبارها جهات معارضة يجب تمثيلها في الوفد المفاوض، أي الانتقال من وحدانية تمثيل الائتلاف للمعارضة في المفاوضات، إلى الهيئة العليا التي يشارك فيها الائتلاف بأكثر من الربع عدديًا، فإلى الضغط لإدخال ممثلين عن منصتي القاهرة وموسكو، وتفاعل الهيئة العليا “إيجابيًا” بفتح حوارات مباشرة مع المنصتين في جنيف، ثم في الرياض دون التوصل إلى توافق حول الثوابت، والإعلان الدستوري.

حدثت تطورات عديدة في العامين الأخيرين ضد ثوابت المعارضة، ومضمون بيان (جنيف 1)، وأهمها طغيان الدور الروسي، فالاستفراد بالوضع السوري بتفويض من الإدارة الأميركية القديمة والجديدة، وتهميش الدور الأوروبي والدول الشقيقة والإقليمية.

أحدث المشروع الروسي، وعبر نتائج الهزيمة في حلب، نقلة كبيرة بإحداث ما يُعرف بـ “مسار أستانا”، وإشراك كل من تركيا وإيران، ثم “مناطق تخفيض التصعيد” التي هي اليوم أرضية، أو مقدمة التسوية السياسية التي تقودها روسيا وفق منظورها.

التسوية السياسية المطروحة روسيًا تختلف عن الحل السياسي، بمرجعيتها ومضمونها، فحسب المعلومات المتوفرة، وسياق ما يجري على الأرض، فإن بيان (جنيف 1) لم يعد الأرضية التي تلتزم بها روسيا، أو تنطلق منها لتشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية، ويقول الإعلامي عبد الوهاب بدرخان، المُطّلع جيدًا على الملف السوري، وخفايا مواقف الدول المعنية به: “إن جميع القرارات الدولية لم تعد هي المرجعية وفق المشروع الروسي، بما فيها القرار 2254، بمعنى أن المضامين التي تعمل روسيا على تجسيدها هي تسوية سياسية وليست حلًا سياسيًا، وذلك بتكريس بقاء النظام ببعض الإصلاحات، وإشراك بعض المعارضين في الحكومة الانتقالية التي ستشكل”. كما أن معلوماته وتقديراتنا أيضًا بأن مثل تلك التسوية ليست حريصة على قيام نظام ديمقراطي حقيقي في سورية، خصوصًا أن معظم الدول الإقليمية والخارجية ليست متحمسة له، بل تحسين وضع النظام الحالي ببعض التأهيل والتغيير الطفيف، مع الاحتفاظ بمؤسساته الرئيسة كالأجهزة الأمنية والجيش، وإدخال شيء من التعديلات، واستيعاب أو إعادة الضباط المنشقين، وإيجاد تسوية للمقاتلين من المعارضة.

ينصح بدرخان، وبعض المناضلين السوريين المعروفين، المعارضةَ الوطنية، بألا تتنازل عن ثوابتها؛ لأن المقابل لا يستحق ما سيلحق بها، وبالثورة من أضرار، وأنها لا تملك غير الرفض المتعقل، لكنه الرفض الذي يجب أن يستند إلى مجموعة من الارتكازات:

– إصلاح مؤسسات الثورة، خاصة الائتلاف، لتكون ممثلًا حقيقيًا قادرًا على أداء دورها بفاعلية.

– التواصل مع الشعب السوري وجسر الهوة بينه وبين الائتلاف، وتنشيط ودعم الحراك المدني السلمي.

– تقوية العلاقات مع القوى والفعاليات والشخصيات السياسية، وصولًا إلى توافق معها حول المشتركات، والوقوف في خندق واحد لمجابهة الضغوط والتحديات.

– الاهتمام بتوحيد الفصائل العسكرية، وتنسيق العلاقة معها لتناغم الدورين العسكري والسياسي.

– توسيع وتعميق العلاقات مع الدول الشقيقة والصديقة، لدعم الموقف الذي تلتزم به هيئات الثورة، والاتفاق على مواجهة المرحلة بتكتيكات مناسبة.

وينصح بعض الوطنيين السوريين المعروفين بعدم الانصياع للضغوط الروسية وغيرها، تقديرًا لطبيعة المرحلة التي ستكون البصمة الروسية فيها هي الأساس، والتي لا تقيم اعتبارًا، ولا تفسح في المجال لدور متوازن لقوى المعارضة، وأنه مع إعلان الموافقة على وقف إطلاق النار بشكل كامل وشامل لكل الجغرافيا السورية، والعمل على إعادة المهجّرين والنازحين واللاجئين إلى مناطقهم وتوفير ضمانات دولية لحمايتهم، فإن المرحلة القادمة لن تحمل حلًا سياسيًا، وإنما تسوية تبقي على النظام، وأن المعارضة هي في الموقع الخاسر في حالتي القبول والرفض، لذلك يكون رفض الضغوط، وقبول الانخراط في المشروع الروسي، والتمسك بالثوابت والمواقف الوطنية التي عبّرت عنها الثورة، أقل الضررين، على أن يتدعّم الموقف بإنجاز تلك المهام التي أشرنا إليها، وبانتظار المرحلة التالية التي سيكون للشعب وقواه الوطنية الدور الرئيس في المواجهة ومواصلة العمل لانتزاع الحقوق، وتغيير النظام، وإقامة النظام التعددي البديل.

يرى هؤلاء أن على منصة موسكو، بالتحديد -وهي التي تختلف مواقفها بمسافة كبيرة عن مواقف هيئات الثورة- أن تتحمل مسؤوليتها حين تنخرط في التسوية الروسية، بكل ما يترتب على ذلك من نتائج، وأن دمجها أو قبولها في وفد المفاوضات أمرٌ خاطئ، ولن يقدّم الكثير سوى مزيد من التناقضات.

التسوية السياسية الروسية التي ستخلق مفاعلات كبيرة ستطرح تحديات على الوطنية السورية وهيئات المعارضة تدعوها للتصدي لها، وتوجيه العمل نحو تحقيق أهداف الثورة بإنهاء نظام الفئوية والاستبداد، وإقامة النظام البديل.

مقالات ذات صلة

إغلاق