قضايا المجتمع

الحرب رفعت معدلات زواج القاصرات السوريات

لم تكن ظاهرة تزويج القاصرات في سورية، قبل الثورة، تثير جدلًا محتدمًا في الشارع السوري، ولا حتى من قبل المهتمين بحقوق الإنسان، مع أنها كانت منتشرة في بعض الأوساط، ولا سيما العشائرية والريفية.

بحسب دراسة للمركز السوري للأبحاث والدراسات القانونية، “بلغت نسبة تزويج القاصرات في سورية، قبل اندلاع الثورة 7 في المئة من مجموع القاصرات، ومع اشتداد الصراع المسلح ارتفعت النسبة إلى 15 في المئة عام 2012، ومن ثم إلى 30 في المئة عام 2015”.

ووفق إحصائيات صادرة عن وزارة العدل في سورية، فإن نسبة 91 في المئة من عقود الزواج في عام 2013 عُقدت على قاصرات في المحاكم الشرعية في دمشق، مع التنبيه إلى أن غالبية هذه النسبة كانت في المناطق الريفية.

ذكر تقرير للأمم المتحدة أن 70 في المئة من اللاجئين والنازحين السوريين هم من النساء والأطفال؛ الأمر الذي يتسبب بارتفاع نسبة زواج القاصرات في المخيمات وتجمعات النازحين. وتتباين نسبة زواج القاصرات، بين دولة وأخرى من دول اللجوء، ففي الأردن بلغت نسبة زواج القاصرات السوريات 35 في المئة، وذلك بحسب إحصائية قضائية أردنية عام 2015. فيما بلغت حالات الزواج في لبنان لفتيات سوريات تحت سن الثامنة عشر 32 في المئة، بحسب تقرير صادر عن (يونيسف). أما في مصر فبلغت النسبة 25 في المئة.

تطرقت الدراسة أيضًا إلى أسباب ارتفاع نسب زواج القاصرات في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام؛ حيث يعدّ “الحصار الاقتصادي والقصف وتوقف المدراس عن التدريس، من أبرز النتائج التي أدت إلى زيادة هذه الظاهرة”. إضافةً إلى أن ازدياد حالة الفقر بين المدنيين دفعهم إلى تزويج بناتهم من حاملي السلاح لقدرتهم على الإعالة والحماية في آن واحد. وتمخض عن ذلك مشكلات كثيرة، أبرزها عدم وجود إثبات قانوني لعقد الزواج، بسبب اعتماد أهالي هذه المناطق على المحاكم الشرعية التي أقاموها، إضافة إلى عدم اعتراف مؤسسات النظام بهذه العقود، في حال تغيرت الأوضاع العسكرية، وعادت تلك المناطق لسيطرة النظام.

بالنسبة إلى المناطق التي تسيطر عليها التنظيمات المتشددة، ذكرت الدراسة أنه “كان للقيود الصارمة المفروضة على لباس المرأة وتحركاتها ومنعها من مغادرة المنزل من دون محرم، دورٌ كبير في رواج زواج القاصرات؛ حتى صار الزواج هو الحل الوحيد للفتيات للتخفيف من وطأة هذه القيود”.

حصرت الدراسة العوامل التي تقف وراء ظاهرة زواج القاصرات في أربعة أسباب:

أولا: الأعراف والتقاليد

التي تختصر دور المرأة في إنجاب الأطفال وتربيتهم والقيام بالأعمال المنزلية، وهذا أمر لا يتناسب مع قيم العصر ومبدأ (تقسيم الأدوار) بين الرجل والمرأة. إضافة إلى انتشار فكرة الخوف على (شرف) الفتاة؛ الأمر الذي يدفع أهلها لتزويجها مبكرًا، منعًا من حصول أي شيء يمكن أن يلطخ شرف العائلة.

وعندما ازدادت حالات النزوح واللجوء واضطرت الكثير من العائلات للعيش ضمن خيمة واحدة أو مركز إيواء واحد، حيث الاختلاط بين الذكر والأنثى لا بد منه حتى في أماكن النوم؛ لجأ الأهالي إلى تزويج بناتهم القاصرات، تحت مسمّى (السترة أو الحلال والحرام).

ثانيًا: العنف ضد المرأة

بحسب التعريف الوارد في اتفاقية (سيداو) للقضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة، يُعدّ عنفًا كل ما يلحق ضررًا نفسيًا أو جسديًا أو عقليًا أو جنسيًا. والتهديد بهذه الأعمال والإكراه عليها؛ وعليه يُعدّ زواج القاصرات أحد أشكال العنف ضد المرأة، يبدأ بإرغامها على الزواج، ويترافق بكثير من الحالات بالعنف الجسدي، من قبل الأهل، لكي تقبل بالزواج. ومن أخطر آثار هذا الزواج على الفتاة، تعرضها للعنف العاطفي المتمثل بحرمانها من رعاية والديها بسن مبكرة، وحرمانها من أن تعيش مرحلة الطفولة، إضافة إلى الزج بها في أعباء الحياة الزوجية التي تكون أكبر من قدرتها على التحمل.

ثالثًا: التعليم

من العوامل المؤثرة على تزويج القاصرات التعليم؛ وعلى الرغم من أن القانون السوري يفرض التعليم الإلزامي حتى إنهاء مرحلة التعليم الأساسي، إلا أن حالات التسرب من المدرسة بلغت مستويات كبيرة في سورية قبل الثورة. ويأتي الفقر في مقدمة الأسباب التي تدفع الأهل إلى تسريب أطفالهم من المدرسة، وخصوصًا في المجتمعات الريفية، حيث يتوجه الذكور لمساعدة آبائهم في الأعمال الزراعية، أما الفتاة فيتم تعليمها الأعمال المنزلية، استعدادًا لقدوم العريس.

تفاقم الوضع العسكري في سورية فرضَ توقف التعليم في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام. وذلك بسبب القصف المستمر وخوف الأهالي على أطفالهم وضياع الأوراق الثبوتية في حالات اللجوء والنزوح، كما أن الحاجة المادية للأهل دفعتهم إلى تزويج بناتهم بسن مبكرة؛ للتخلص من أعبائهم المالية.

أشارت الدراسة في هذا المحور إلى أن “التقصير من قبل المنظمات الدولية المعنية باللاجئين والنازحين، في تقديم الخدمات الأساسية في القطاع التعليمي والصحي، ساهم بارتفاع حالات الانقطاع عن الدراسة”.

رابعًا: المهر

تذكر الدراسة أن “قضية المهر لعبت دورًا كبيرًا في تزويج القاصرات اللاجئات، حتى بات هناك ما يُعرف باسم (سماسرة الزواج)، حيث يقوم هؤلاء السمسرة بالبحث عن الفتيات الأجمل والأصغر سنًا لتزويجهن من أثرياء، وغالبًا ما يكون الزوج متزوجًا ومتقدمًا في السن”.

خامسًا: عدم تحديد سن الزواج

وذلك بسبب الفتاوى الدينية التي تدعو إلى تزويج الفتيات بسن مبكر، اقتداءً بزواج الرسول (ص) بالسيدة عائشة، على الرغم من أن الشرع الإسلامي لا يُجيز عقد القران على فتاة غير صالحة للزواج.

قانون الأحوال الشخصية السوري المستمد من الشريعة الإسلامية، يشجع في مواده على تزويج القاصرات، وفق ما جاء في المادة 16 منه: “تكتمل أهلية الزواج للفتى ببلوغه سن الثامنة عشرة، والفتاة ببلوغها سن السابعة عشرة”.

وفي النهاية خرجت الدراسة بتوصيات هي:

أولا: ما زال اللاجئون والنازحون يعانون من الإهمال ونقص الرعاية والخدمات، وهذا سيعرضهم لكل أنواع الانتهاك والحرمان.

ثانيًا: توفير الأمن في مخيمات اللجوء وقطع الطريق على عصابات الجنس وخطف النساء والتحرش، ومحاسبتهم بشدة.

ثالثًا: الاهتمام بتأهيل الفتيات القاصرات، سواء كنّ متزوجات أو غير متزوجات، ليتمكنَّ من الانخراط في سوق العمل وإعالة أنفسهن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق