أدب وفنون

الرفيق كمال أوغلو وسائر بيزنطة

فلمَّا كان آرام السوري وصديقه اصطيف يتمشيان في إسطنبول، وجدا زعيم المعارضة التركية يشرب الشاي في مقهى شعبي مُتواضِع؛ فتوجّها نحوه، فكان هذا الحوار:

آرام: mirhaba.. رفيق كمال.

اصطيف: Selamun Aleykum.. أبيهْ كمال.

رفع الرفيق كمال رأسه مُندَهشًا من اللَكنَةِ السورية في مفرداتنا التركية، ثمّ أومأ لمرافقيه: أن يُفسِحوا لنا مكانًا بجانبه.

أرام: لدينا بعض الأسئلة لكم، يا رفيق كمال.

الرفيق كمال: أهلًا وسهلًا.. تفضَّلا.

اصطيف: قلتَ، في آخرِ تصريحاتك، إنّ السوريين مواطنون درجة أولى في تركيا، بينما الأتراك مواطنون درجة ثانية، لوهلةٍ شعرتُ بالفخر، ثمّ.. وبصراحة: اكتأبتُ من تصريحكم.

الرفيق كمال: أنتم تتعالجون مجّانًا في مشافينا؛ ونحن ندفع الضرائب!

آرام: ادعُ لنا ألا نمرضَ؛ ولا تجرحنا شظيّة صاروخ.

الرفيق كمال: لا أتمنى الشرّ لأحدٍ.. بالطبع.

آرام: هل زرت المدينة الصناعية في غازي عينتاب؟

الرفيق كمال: للأسف.. لم أزرها حتى الآن.

آرام: ثلاثة أرباعها استثمارات صناعية للسوريين؛ هذا يعني مليارات الدولارات قد دخلت؛ بالإضافة إلى تحويلات السوريين.

الرفيق كمال: كأنك تُبالِغ قليلًا.

آرام: سندع الأثرياء السوريين جانبًا؛ تأتيني شخصيًا حوالات بألف دولار شهريًا.. فأين أصرفها؛ هنا في تركيا بالطبع، هناك على الأقل مليونا سوري يُنفِقُون 500 دولار شهريًا على الأقل.

الرفيق كمال: هذا لا شيء.. مُقارَنةً بأننا بين العشرين الأوائل اقتصاديًا في العالم.

آرام: تقصد صِرتُم هكذا.. مُذ استلمَ حزبُ أردوغان الحُكم؟!.

كَحَّ الرفيق كمال، ثم تنهَّد طويلًا مع ابتسامةٍ ظريفة!

فَعلّقَ اصطيف: ما رأيكَ أبيهْ كمال.. لو نقلب المعادلة؟!

الرفيق كمال: عفوًا.. لم أفهم.

اصطيف: لو قصف أردوغان المُعَارضة بالطائرات والدبابات؛ فإلى أينَ.. سترحلون؟

الرفيق كمال: إلى سورية طبعًا.. وليس بالقوارب المطاطيّة إلى اليونان.

آرام: هل تظنُّ أننا لن نستقبلكم في مشافينا، إلا إذا دفعتم مُسبقًا، كما يفعلون بنا في لبنان.

الرفيق كمال: أرجوك.. لا تُقارِنَّا بلبنان؛ تركيا بلد ديمقراطي؛ في لبنان ديمقراطية طرابيش وقبضايات.

اصطيف: هل أعتبر هذا تصريحًا رسميًا؟!

الرفيق كمال: سامحك الله.. أنا أمزح فقط.

اصطيف: جاري التركي.. من أنصار حزبك.

الرفيق كمال: جيّد.. هذا يدحض أن أنصار حزبنا لا يُؤجِّرون السوريين.

اصطيف: لكنه يعتقد جازمًا بأنّ غريمكم أردوغان يدفع للسوريين أجرةَ منازلهم شهريًا.

ضحك الرفيق كمال طويلًا: هذه أفضلُ نُكتةٍ سمعتها.. منذ سنوات.

اصطيف: جاري التركي.. حَلَفَ بالله العظيم ثلاثَ مرَّات.

الرفيق كمال: هذه أحاديث العامَّة؛ لم يفعل أردوغان لكم شيئًا سوى أنه قال: أنتم المهاجرون.. ونحن الأنصار.

آرام: لكن أنصاركم طالبوا أكثرَ مِن مَرَّة بترحيل السوريين.

الرفيق كمال: هذه رَدَّاتُ فِعلٍ عابرة؛ وليست.. موقفًا حزبيًا.

اصطيف: ماذا عن مئات آلاف الهاشتاغات على (تويتر): #فليرحل_السوريون_عن_تركيا؟!

ابتسم الرفيق كمال: نحن لسنا حزبًا في (تويتر)، موقفنا الرسميُّ قلتُه أكثرَ من مرَّة: “يجب ألا يبقى السوريون في تركيا، حين تصير العودة إلى بلادهم مُمكِنَة”.

اصطيف: أنا أول العائدين إلى بلدي، حين يرحل الأسد، وما دمتَ تتمنّى ألا نبقى، ساعدنا لكي يرحل طاغيتنا.

عند كلمة الأسد.. كَحَّ الرفيق كمال؛ كما لو أنه ابتلع سمكة نَسِيَ أن يُنظِّفَهَا من الحَسَك.

فعلَّق آرام: أرجو أن تطرحوا في البرلمان قانونًا يحمي العُمَّال السوريين من الاستغلال.. إنهم يعملون ساعاتٍ أكثرَ من العمّال الأتراك. رواتبُهُم أقلُّ بكثير؛ ولا ضمانات لهم ولا تأمين.

الرفيق كمال: بعضُكُم.. ارتكبَ أخطاءً كبيرة، مثلًا: قصة تلطيش الصبايا في الشوارع؛ أو تصويرهنَّ بالمايّوه على شواطئ البحر.. تلك أفعالٌ مستهجَنة هنا في تركيا؛ وهذا أثَّر على سُمعة السوريين؛ تعرفون كيف يهتاج الرأي العام في كلِّ بلد.

ردّ اصطيف: عاقبوا المذنب.. فقط، في كلّ شعبٍ مُنحَرِفُون.

الرفيق كمال: نعم.. هذا صحيح.

اصطيف: كحادثة قتل المرأة السورية وابنها، على يد اثنين من الأتراك.

الرفيق كمال: كان ذاك شيئًا مروِّعًا؛ وقد أدنَّاه بكلِّ حزم.

آرام: هل تعرف، يا رفيق كمال، أنَّه بينَ الأعوام 1330- 1550 وَصَلَ إلى شواطئ إنجلترا آلافُ اللاجئين من أوروبا؟

الرفيق كمال: هذه معلومة جديدة.. شكرًا لك.

آرام: لكنّ رُهَاب الأجانب استعر في قلوب الإنكليز؛ فاتهموا القادمين الجدد بالسعي وراء مصادر رزقهم وتغيير ثقافتهم، حتى أخذت موجةُ الكراهية بالارتفاع؛ فصارت حركةً عنصريةً، وخرج هؤلاء في مدينة لندن.. مُسلّحين بالعُصِي والحجارة والمياه المغلية، يُهاجِمونَ اللاجئين وينهبون بيوتهم، عُرِفَ ذلك اليوم: بالأول من أيار الملعون.

الرفيق كمال: هذا شيء مُؤسف حقًا؛ والمؤسف أكثر.. أن ذِكرَاه تتصادف مع عيد العمّال العالمي.

آرام: سألقي عليك ما كتبه شكسبير تعليقًا على هذا الحدث، في مسرحيته (كتاب السير توماس مور) الفصل الثاني – المشهد الرابع.

الرفيق كمال: هذه مفاجأة.. تفضَّل لو سمحت.

آرام: كتب وليم شكسبير:

“فكّروا بالغرباء المُعذبين

أطفالهُم.. على ظهورهم

أمتعتهُم الفقيرة.. على أكتافهم

جارّين أقدامهم إلى المرافئ والشواطئ

بحثًا عن قارب نجاة.

 

أما أنتم، هاهنا؛ فتتنازَعُكم أهواؤكم

كالقرش والسمك ينهش بعضكم بعضًا

تصمت السلطةُ.. عن رغائكم

تُحيط برقابكم.. آرائكُم.

 

إلى ماذا ترمون؟

سأجيبكم:

كيف يُمكن للقانون أن يسودَ على هذا المنوال؟

وماذا لو ضاق الملك.. ذرعًا بكم؟

ماذا لو قرَّرَ.. نفيَكُم؟

إلى أين.. سترحلون؟

من سيُؤوِيكُم؟

 

هل يُرضِيكُم أن نكونَ أمّة

تحمل مثل هذا المزاج المُتوحش؟

أمّةً.. تنفجر بعُنفٍ بشعٍ؛

فأيّة أمّةٍ.. ستمنحكم مَوطِئَ قَدَمٍ على الأرض

كأنّ الربّ.. لم يخلقكم سواسيةً؟!”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق