قضايا المجتمع

عيدنا وعيدهم

ليس هيّنًا على السوريين أن يكونوا مُرهفي المشاعر، ويتبادلوا تهنئة العيد، وليس هينًا أن يُرسلوا تهنئته لمن حولهم، حتى لو بدت هياكل البشر، بحال توحي بـ “خير” ظاهري، لكنها القدرة على الإيحاء باستمرار الحياة، أو المحاولة للظهور أمام الذات والآخرين بـ “أبّهة العيد”، بالرغم من تناثر الشهداء والدمار على مساحة سورية وخارجها، على أنغام مهزلة تجري في حدود الوطن. يقف السوري في العيد داخل وطنه وخارجه، لـ “يبصق” في وجه العالم “المتحضر” الذي يقبل سكين قاتل لم تزل تجزُّ رقبةَ فرحٍ، لم ينبت بعد.

ستة عشرة عيدًا في سبعة أعوام، يمضي السوريون فيها من مذبحة إلى مذبحة، ولم يبق في الجسد السوري شبر إلا وفيه أثر لبرميل أو قذيفة عنقودية، كل ساحات أعيداهم دمرتها وحشية القاتل المتنقل بينهم، وكل الأحبة مع ذكرياتهم قبض السفاح أرواحهم، مئات الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ والملايين مثلهم، غدا العيد بالنسبة إليهم منفًى من ملح وشوك يحتوي كل جراحهم، والغائبون في العيد أشواك تسكن القلوب، وتنظر العيون إلى السفاح يُرنِّم تعويذته، أول صباح العيد، يطل من مسجد بلدات، دمَّر فرحها وأقام فيها حزنًا مستمرًا، يركع الحاكم المستبد على حطام الأجساد المنفية ودماء تنساب من سجادة الصلاة، وسمفونية شيخ المستبد الذي يتقيأ دعاء الخلاص من المُقتلعين من أرضهم.

كم تختزن ذاكرة العيد السوري من السواد.. أسماء وأحداث، مجازر وضحايا، دمار فوق خراب ستتناقلها أجيال، عيد جديد تتلوث فيه قيم الحق والعدالة والإنسانية. يدخل ذاكرة السوريين، في العيد، ما يبقى حاضرًا فيها إلى الأبد، وما لا يُمحى منها، ولن يُنسى من قال ومارس عنصرية “سورية المتجانسة”، ليصبح -في زمن “التجانس”- السوريُّ الجيد هو السوري اللاجئ والمنفي والمحاصر والمقتول.

يُحيل البعض العيدَ إلى فرصة لقلب الحقائق، وإهانة السوريين لقتل أحلامهم الجماعية في الخلاص من طاغيتهم، ويذهب كثير من بطانة السفاح في تمجيد عيده على حواجز التفتيش والحصار وتخوم المقابر الجماعية، وممارسة قسوة رهيبة وتواطؤ شامل، ويُردّد “خطيب” الجلاد من على منبره عبارات التطهّر من رجس ضحايا، يبحث ذووهم عن صورة زمن مضى، في عيد سيأتي حتمًا.

يقول السوريون: لن يكون العيد عيدًا، إن لم نر انبلاج حريتنا التي اكتشفنا معها قوة حضورنا، وهشاشة الثرثرات المتراكمة الكاشفة لبؤس الجمهور الملتف حول القاتل، هناك عند أهازيج القاشوش، ووداعة غياث مطر، نصبنا أفراحنا، ازدادت ألقًا في ساحة الساعة في حمص، وفي حماة وحلب. على الرغم من رخاوة اللحظة وقساوتها، نعود إلى عيدنا الأول، يومَ خفقت نسائم الحرية في صدورنا وحناجرنا، خفقانًا سيبقى مُقيمًا رغمَ أنف السفاح، ولو جلس على سجادة التطهر من الجريمة في يوم “عيده”، على نحو مؤقت، فعيدنا أودعناه حيث خفقت أفئدتنا وأفئدة كل المعذبين والضحايا، منبعنا الأول والأخير في العيد حرية وكرامة، ونقطة التقاء كل فواصل الفرح المؤجل والآتي.

مقالات ذات صلة

إغلاق