هموم ثقافية

كما لو أنني أبحث عن أحد

أفعل ذلك بدأب مستمر، منذ بدأت سنوات الحصار، أرغب في عناقه، أتوق إلى ذلك الذوبان، لكنني لم أفعل! فالشرك الذي طالما نصب لنا ووقعنا فيه، تسعى حضارة الرجل -دائمًا- إلى تجديده، وما علينا سوى أن نحسن الوقوع فيه.

في ظاهرة العلاقة بين الرجل والمرأة، هذه الظاهرة التي يعبر عنها في مؤسسات وبنى اجتماعية وثقافية ودينية، تبدو فيها سطوة الرجل، وتقود سطوة الانتصار هذه، إلى وهم التفوق وحسم مسألة الصراع الزائف لصالحه.

في سينما المخرج السويدي إنغمار بيرغمان، وبلحظة ما، يعترف ممثلوه بجملة من الخطايا: الاعتراف بالخطيئة نتيجة الخروج إلى هذا العالم، والاعتراف بنمو طفلة في جسد امرأة، والاعتراف الأخير بأن هذه المرأة ربما تموت وقد فشلت في الحب، وضاق العالم عن احتضان أحد لها.

يدخل حصار الغوطة سنته الخامسة -تقريبًا- والرجل الذي يبكي في حضن أمه ويعانق أخته، لا يستطيع أن يمطر الحبيبة أو الزوجة ولو بنظرة، في باطن العلاقة يصير الأمر مختلفًا، هناك حقيقة ترصدها مقاربة مختلفة لعلم النفس، حين يذهب في الحفر بعيدًا إلى ما بعد الشعور أو إلى ما تحته، ليضعنا أمام دلالة صادقة، وهي أن القاع النفسي للرجل مغمور بالحصر، ويضمر بعدًا عقديًا في التعاطي مع المرأة الحبيبة، فالمرأة التي أودعت روحه في رحمها، تحولت في قاع نفسه إلى رمز للموت، فيموت لأجلها، لكن لا يستطيع أن يعانقها، في حين تبحث هي عن جسدها بين أجساد الأخريات، في هذا البيت المحاصر الذي يضج بالنساء، شقيقات وأم، وزوجات إخوة.

(أوريل) الذي يتولى العناية بحديثي الولادة في أحد مستشفيات برشلونة يقول: إن أول حركة للكائن البشري هي العناق، فبعد الخروج إلى الدنيا، في بدء أيامهم الأولى، يحرك حديثو الولادة أيديهم، كما لو أنهم يبحثون عن أحد.

كذلك تبحث النساء هناك عن أحد: (أحد يؤثر، كما لو أنه رفرفة جناح فراشة، تؤثر حتى في أبعد النجوم).

أطباء آخرون، ممن يتولون رعاية أناس عاشوا طويلًا، يقولون إن المسنين في آخر أيامهم يموتون، وهم يرغبون في رفع أذرعهم عاليًا. هي -أيضًا- تقول أرغب حقًا في معانقته لكنني لا أفعل ذلك أيام الحصار.

إبقاء المرأة مشغولة البال غير مرتاحة يستمر بتواتر مقيت في سنين الحصار، وما عليها سوى أن تنجو من تلك العاصفة التي قطعت كل ذلك اللحم، وتركت كل أولئك النساء في نزيف مستمر.

لم تنجح كل التقارير والبرامج والتحقيقات التي أعدت عن الحصار كثيرًا، في إيصال العمق والبعد الإنساني الحقيقي لمعاناة النساء، فالرجل المتحفز واليقظ والفعال.. الرجل الذي يقفز هنا ويقاتل هناك ويرفض أن يتراجع، هو ذاته الذي نسي كيف يعانق الحبيبة.

نحن نميل إلى الوجع أكثر، حتى لو حاربنا الشر، البشر يميلون إلى التصرف بغباء والغباء حين نتصرف منطلقين مما نسميه دوافع عليا. لا يمكن أن يكون كل هذا الدمار دمارًا عشوائيًا، هو تدمير ممنهج ويقصد منه قتلها هي دون غيرها، كل الخطابات التي هدفت إلى تقليص البؤس والفقر والنبذ، وكل أشكال الإقصاء التي مورست ضد المرأة هي خطابات جوفاء.

تعيش المرأة حالة اغتراب قصوى في عالم يتكشف -يومًا بعد آخر- عن كونه سجنها الكبير، في هذا العالم تحولت المرأة إلى موضوع سلعي، أدرجها الرجل في حضارة شاء أن تكون حضارته هو، بوصفها أحد أثمن الأشياء على قائمة السلع وأجملها.

في السينما تحضر بوصفها رمزًا ملاصقًا للموت، هي كائن الاغتراب المضاعف، أولًا لأنها اغتربت في دنيا الرجال، وثانيًا لأنها حين أحست بالاغتراب وخالجها التوق إلى الحرية، راحت تنظر إلى ذاتها، وإلى العالم، بعين الرجال، بمفاهيمهم وتصوراتهم. فهي كمن استعار مرآة الرجل كي ترى ذاتها، فما رأت سوى شبح توهمت أنه المرأة.

في الحرب، يموت الرجل ربما مرة واحدة، في حرب اخترعها هو، وسيوقفها هو، فيما موت المرأة مضاعف، فلا الحرب حربها ولا السلم بيدها، ومع ذلك تبكي المرأة دمًا على زوج أو أخ أو ابن أو حبيب أو قريب.

ما أعظم الاغتراب! حين يصير العالم عالم المرأة -أيضًا- دون زيف، لن ترسل الأم أبناءها إلى الحرب، وستقول المرأة التي كانت في الحصار: لن أبحث عنك بعد الآن، لأنك الآن هنا، هنا.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تنبيه: kojic acid soap
إغلاق