أدب وفنون

سندريلا البيت المهجور

تأملها طويلًا، وهي تتمايل بخفّةِ بجَعةٍ أمامه بين الراقصين، وكأنّ بهو قصره الليلة بحيرة لجسدها، لا يعرف من أين جاءتْ! وكيف دخلتْ قصره أثناء هذا الحفل الكبير! وما هو اسمها.. كلّ ما يعرفه عنها أنّ جمالها أدهش طويلًا روحَه وأرواح كلِّ النبلاء من حوله.

ساعةً ونصف، وهو يرمق بمتعةٍ داخليّة رقصتَها الساحرة، وهي ترقص كغصن كرزٍ طري، تداعبه نسائم لطيفة من موسيقى، تعب قلبه كثيرًا وهي ترميه بابتساماتها الأنثويّة الخجولة.

جمالها سحر كل خلايا عقله، ليوقظ فيه حكاياتٍ دافئة قديمة من زمن الجدات والطفولة، جمالها نفسه الذي عذب روحه طويلًا أجبره على أن يقف، ويمشي بهدوئه -كأي أميرٍ وسيم- ناويًا أن ينحني أمامها، ليقبل بلطفٍ يدها، ثمَّ يدعوها لرقصة مشتركة.

فجأةً، دقتِ الساعة الكبيرة على الجدار، تعلن انتصاف الليل؛ عندئذٍ توقفتْ هذه الغريبة عن رقصتها، وغزا خوفٌ غريب ملامحَها الناعمة، التقطتْ طرف فستانها ثمَّ أسرعتْ لتخرج من القصر، وقد تذكرتْ أنّ المهلة التي منحها إياها القدر قد انتهتْ.

استغرب الأمير الذي كان في منتصف الطريق إلى رقصتها وإلى قلبها، مطّ شفته متعجبًا من هروبها المفاجئ.. رغم هذا لم يكن ينوي أنْ يخسر جمالها بهذه السهولة والسرعة، على الأقل أنّ يربح معرفة اسمها.

أسرع خلفها مع حراسه، طاردها طويلًا بين الأزقة القريبة من القصر، تاركًا خلفه النبلاء والنبيلات يخترعون قصصًا غريبة في خيالاتهم تفسر ما حدث. وصلتْ هذه الجميلة إلى بيتٍ قديم، شكله موحش للغاية ويبدو أنّه مهجورٌ منذ عقود، ثمّة كآبة غامضة تكحل شرفاته المعتمة، وقبل أن تدخله لتختفي خلف بابه، التفتتْ لتتأكد أنّ الأمير انتبه إليها وهي تدخل إليه، ثمَّ اختفتْ في عتمته.

عجوزٌ مرَّ بهم مصادفة، قال للأمير وحراسه: إنّ هذا البيت لا أحد يتجرأ أن يدخله؛ فهو مسكونٌ بالأشباح التي تلهو بعتمته كلَّ ليلةٍ منذ عقود.

لم يأبه الأمير لهذا الكلام، أشعل حراسه عشرات الفوانيس، ليقتحموا معًا هذا البيت الموحش، كان قد أقسم في سره، حتى ولو كانت تلك الجميلة في الجحيم، سوف يقتحم ناره ليصل إليها.

مرّتْ عليهم ساعات الليل البارد ببطءٍ، فتشوا كلَّ الغرف.. بحثوا عنها فوق الأسرة والأرائك وتحتها، في الخزائن، خلف الأبواب والستائر، على الشرفات الشاحبة. لكنهم لم يعثروا عليها، وكأنّها نسمة هواء صعدتْ إلى السماء لتحوم حول أقرب غيمة.

كاد الأمير أنْ يفقد عقله، صار ينظر داخل المزهريات والكؤوس الكبيرة التي علاها غبار الزمن، علّها تكون قد حشرتْ نفسها في واحدةٍ منّها، لكن دون جدوى.

أشرقتِ الشمس وهم متناثرون بصمتٍ بين الغرف، يتبادلون نظرات التعجب والاستغراب. يئسوا من أنْ يعثروا عليها، حراسه شعروا بالخجل، وهم يمرون من أمامه برؤوسهم المنكسة للأسفل، خرجوا تباعًا لينتظروا أميرهم أمام الباب.

ثمّة تعب حلّ على جسده وروحه؛ فرمى بنفسه فوق هذه الأريكة، وأثار غبارًا ظلَّ لعقودٍ عليها دون أيّ إزعاج من أيّ كائن. نام الأمير دقيقتين، هي كانتْ خلفه.. هناك على بعد مترين، ترمقه بحزن يختنق بين رئتيها، همستْ له باسمه علّه ينتبه إليها، فينقذها من لعنة حلّتْ عليها منذ عقود، كانتْ متأكدة أنّه الآن، إذا لم يعثر عليها وينقذها، فستحل عليها العتمة مجددًا، ولن يمنحها القدر فرصةً ثانية إلا بعد عقودٍ أخرى.

ندهتْ عليه مرّةً ثانية، خيّل له أثناء نومه وكأنّ صوتها يأتي من حكايةٍ قديمة، سمعها فظن أنّها تناديه من داخل الحلم الذي كان يشاهده أثناء نومه. استيقظ الأمير بعد دقائق، كانتْ لا تزال ترمقه من خلفه، تنهّد ثمَّ خرج من هذا البيت ليمضي مع حراسه إلى قصره على خيولٍ من خيبة مريرة.

عندما خرج مشتْ على خدّها دمعة، لم تستطع أن تمسح دمعتها بمنديلها المطرز بخيوطٍ ملونّة بين أصابعها، ظلّتْ كما هي منذ عقود، جالسة مكانها على مقعدٍ خشبي جميل جانب شجرة في حديقة، داخل هذه اللوحة التشكيليّة المعلقة على هذا الجدار منذ زمنٍ طويل.

مقالات ذات صلة

إغلاق