كلمة جيرون

دي ميستورا والـ 120 “طرفًا”

في إحاطته لمجلس الأمن، قبل أيام، قال المبعوث الأممي الخاص لسورية ستيفان دي ميستورا، إنه لا يُركّز في مشاوراته وقراراته على الحكومة والمعارضة فحسب، بل على أطراف كثيرة غيرهما، وقال إنه أجرى مشاورات مع أكثر من 120 طرفًا وشبكة؛ لوضع أساس المشاورات المستقبلية في مؤتمر جنيف.

إذًا، ارتكز الرجل على آراء 120 جهة؛ ليرسم مستقبل جنيف، أيْ مستقبل سورية، جهات شبه مجهولة! لا أحدَ يعرف القائمة الكاملة أو شبه الكاملة لها، إذ إنها لم تُنشر سابقًا، وفي الغالب؛ لأن المبعوث الأممي يخجل من أن يُعلنها.

بنى دي ميستورا رؤيته للحل السوري، بناءً على لقاءات مع 120 طرفًا! لا أحد يعرف من هي هذه الأطراف، وما هو عملها، ومن تُمثّل، وما طبيعة اختصاصها، وما هي قيمتها ووزنها، وكيف هي توجهاتها وأيديولوجياتها، وكم عضوًا ينتمي إلى كلٍّ منها!

قبل هذا، وخلال ثلاث سنوات من عمله، كمبعوث خاص، التقى دي ميستورا بمئات، بل يمكن القول بثقة بـ “آلاف” السوريين، من كافة الأشكال والألوان، وأحيانًا بلا ألوان، بجلسات عامة وخاصة، وأوحى لكل واحد منهم بأنه الأكثر أهمية، والأوفر حكمة، وسمع منهم مئات الرؤى والاقتراحات والحلول والاحتمالات، وشكّل لجانه الخاصة والعامة، ودمج وفكك، ثم ركّب و”فَرَط”، ولم ينتج عن كل “نطوطته” هذه سوى مبادرات وتصريحات وخطط، هي الأسوأ على الإطلاق.

قبل هذا وذاك، استلم الرجل نحو 30 طنًا من الوثائق والمحاضر التي تُبيّن رأي المعارضة السورية، جماعات وأفراد، دوّنها أسلافه كوفي أنان والأخضر الإبراهيمي، بدقة وتؤدة، وشكّل لجانًا لقراءتها وفرزها وتصنيفها ودراستها؛ ثم ألقى بها في سلة المهملات.

منطقيًا، لا يجب تحميل الرجل نتائجَ، هو نفسه لا يستطيع التحكم بها، فهو أداة بسيطة، لا معنى لها، بيد الدول الكبرى، وليس لديه سوى هامش لوجستي صغير جدًا للمناورة والكلام، لكن يمكن تحميله مسؤولية أنه لعبَ، ضمن هذا الهامش، باستهتار وبلا ضمير.

لا يحتاج دي ميستورا إلى التشاور مع 120 طرفًا وشبكة (وكأن السوريين لا يكفيهم تشرذم معارضتهم السياسية والعسكري وخلافاتها، ولا يكفيهم عشرات الأطراف العربية والدولية المتدخِّلة!)، ولا يحتاج إلى 30 طنًا من الوثائق والمحاضر، ولا إلى الالتقاء بـ “الآلاف” من السوريين، لوضع أساس المشاورات المستقبلية في مؤتمر جنيف، فكل شيء واضح وجليّ، ومن لا يريد السلام واضح، ومن لا يؤمن سوى بالحرب والقتل والتدمير والطائفية واضح، ومن يريد بقاء القاتل واضح.

لا يحتاج دي ميستورا إلى التشاور مع 120 طرفًا وشبكة، فأسسُ جنيف جليّة وبسيطة، تبدأ وتنتهي بهيئة حاكمة انتقالية بصلاحيات كاملة، وعليه المطالبة بها وحدها، وبصوت عال، حتى لو كان على يقين بأن كثيرين سيطالبون باستقالته فورًا، النظام وروسيا إيران وغيرها؛ وعليه عندها أن لا يهتم، وأن يُقدّم استقالته؛ لتكون أول عملٍ جيد يقوم به في حياته المهنية.

مقالات ذات صلة

إغلاق