ترجمات

نيو يورك تايمز: إيران تسيطر على سورية.. هل يتمكن أحد من منعها؟

ملصق انتخابي خارج دمشق، سورية، في 2014 للرئيس بشار الأسد، مع حسن نصر الله، زعيم “حزب الله”. منذ عام 2011، اعتمدت حكومة الأسد على إيران ووكلائها، مثل “حزب الله” اللبناني، للبقاء في السلطة. تصوير سيرغي بونوماريف لصحيفة (نيويورك تايمز).

 

منذ نهاية الحرب الباردة، حتى عام 2010، كانت سورية التي قادها أولًا الرئيس حافظ الأسد ثم ابنه بشار، تتمتع بموقعٍ جيوسياسي مرنٍ وفريد في العالم العربي: كانت سورية عدوًا معروفًا لـ “إسرائيل”، لكنها تفاوضت معها مباشرة. وزعمت سورية أنّها “القلب النابض للقومية العربية”، ولكنها انضمتْ إلى تحالف الأمم المتحدة الذي طرد العراق من الكويت عام 1991. ووصفت الولايات المتحدة حكومة الأسد بأنّها دولةٌ راعية للإرهاب، ولكن وكالات الاستخبارات السورية تعاونت مع نظيراتها الأميركية، في مكافحة تنظيم القاعدة.

لقد ولَّتْ أيام المرونة تلك.

منذ بدء “الحرب الأهلية” في عام 2011، اعتمدت حكومة بشار الأسد على إيران ووكلائها، مثل “حزب الله” اللبناني للبقاء في السلطة. مع أنَّ روسيا لعبت أيضًا دورًا مهمًا، لكنَّ طهران كانت هي الداعم الرئيس للحكومة السورية. ومع اقتراب انتهاء الحرب الآن، على ما يبدو، يبدو أنَّ إيران ستكون الفائز الأكبر، وأنها ستسيطر على السياسة الخارجية لسورية، في المستقبل؛ قد تكون النتائج كارثيةً حقًا.

وُلِدَ التحالف السوري-الإيراني عام 1979، في أعقاب الثورة الإيرانية، وبعد التوقيع على معاهدة سلام بين “إسرائيل” ومصر، التي كانت في السابق شريكًا قوميًا عربيًا لسورية. بعد أن شعر حافظ الأسد بأنَّه معزول، اعتقد أنَّ سورية بحاجةٍ إلى بعض الأصدقاء الجدد، وقد لعبت إيران هذا الدور، من خلال تقديم مساعداتٍ عسكرية واقتصادية، وبدعم “حزب الله” في لبنان؛ ما ساعد دمشق في الحفاظ على موقعها الاستراتيجي هناك.

ومع ذلك، فقد كانت العلاقة دائمًا غير مريحة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى الاختلافات بين البلدين: سورية، وهي دولةٌ ذات أغلبية عربية سنيّة، يقودها حزب البعث العلماني، منذ أوائل الستينيات. وإيران، من ناحيةٍ أخرى، هي بلدٌ ذو أغلبية فارسية وشيعية، أصبحت منذ عام 1979 جمهورية إسلامية.

حادت سورية -في كثيرٍ من الأحيان- عن إيران، بشأن قضايا السياسة العامة؛ وهو ما أثار الكثير من القلق لدى طهران. في الواقع، كان بشار الأسد يميل إلى رؤية تحالفه مع إيران كأصولٍ قابلة للتداول، وهو أمرٌ يمكن أنْ يتخلص منه مقابل صفقةٍ كبرى على مرتفعات الجولان التي احتلتها “إسرائيل” منذ عام 1967، أو لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة. كما أنَّه تمرَّد على إيران، من خلال التفاوض مع “إسرائيل”، ومن خلال دعم مختلف القوى السياسية في العراق، بعد الاطاحة بصدام حسين، وفي بعض الأحيان، السعي نحو علاقاتٍ أفضل مع الغرب.

ثم جاءت الحرب الأهلية، ومع تصاعد جبهات القتال، بين الحكومة ومعارضيها المتمردين داخل سورية؛ تشددّت دمشق في سياستها الخارجية أيضًا. منذ البداية، تقدمت إيران لمساعدة الأسد لضمان وصولها إلى لبنان، ومنع المملكة العربية السعودية من توسيع نفوذها في بلاد الشام. وكانت هذه المساعدة حاسمةً. ومن المتوقع أنْ تنتهي الحرب، في نهاية المطاف، مع بقاء الأسد في موقع المسؤولية، وفي مديونية كبيرة للبلد.

اخترقت إيران سورية عميقًا، بطريقةٍ لا يمكن للأسد أنْ يتجاهلها. في 20 آب/ أغسطس، ألقى الرئيس السوري خطاب تحدٍ، شكر فيه حلفاءه، وقال: إنَّه لن يكون هناك “تعاون أمني من دون فتح سفارات” مع البلدان التي عارضته. وقال صراحةً: إنَّ سورية سوف تتجه في المستقبل إلى الشرق أكثر من الغرب.

بعض الشخصيات المؤيّدة لإيران، داخل القيادة السورية، قد تكون مسرورةً جدًا بهذا؛ ليس فقط لأنَّها غاضبةٌ من محاولات الغرب المتكررة لتقويض النظام، ولكن أيضًا لأنَّ العلاقات الأوثق مع إيران تدعم وضعها السياسي والاقتصادي.

لكنَّ معظم النخب السياسية والعسكرية في سورية، بما في ذلك الأسد نفسه، تشعر بالقلق من أنَّ الاعتماد المفرط على إيران سيحدُّ من مرونتها، عندما يتعلق الأمر بإعادة الإعمار، بعد الحرب، والتنمية الاقتصادية، والعلاقات الدبلوماسية المستقبلية مع الغرب. أخبرني مؤخرًا خبيرٌ روسي سياسي كبير في موسكو أنَّ “السيناريو الكابوسي” -بالنسبة إلى الأسد- هو أنَّه عندما تنتهي الحرب، لنْ يهتمَ أي بلد بما سيحدث في سورية، ما عدا إيران. وعلى الرغم مما قاله الأسد في خطابه، أجزمُ بأنَّه يريد الحفاظ على مرونته الاستراتيجية.

إذا انتهى الأسد كعميلٍ لطهران؛ فهذا سيولّد حالةً خطرة جدًا. “إسرائيل”، على وجه الخصوص، تشعر بالقلق إزاء هذا الاحتمال. فقد هاجمت “إسرائيل” مرارًا القواتِ الموالية للحكومة السورية في مرتفعات الجولان وحولها. وقد دفعت الحرب الأهلية “إسرائيلَ” إلى دعمٍ ضمني لبعض جماعات المعارضة السورية، بما فيها جماعات جهادية، على طول الحدود؛ لمنع وكلاء إيرانيين- أي حزب الله- من إقامة وجودٍ دائم هناك. إذا استمرت توجهات سورية تجاه إيران؛ فستشعر “إسرائيل” بأنَّها -عندما تنظر عبر مرتفعات الجولان- ترى إيران تحدّق بها.

يبدو أنَّ إدارة ترامب كانت على استعدادٍ للتخلي عن سورية لروسيا، عدا هزيمة الدولة الإسلامية (داعش). ولكن يجب على واشنطن أنْ تفهم ما يعنيه هذا حقًا: التنازل عن سورية لإيران. تريد موسكو أكثر من مجرد الحفاظ على قواعدها العسكرية في سورية، ولن تقدّم في الواقع عامل توازن لإيران، بعد انتهاء الحرب.

على مدى عقود، اعتبرت سورية أن الولايات المتحدة قوة إيجابية، من حيث الضغط على “إسرائيل” في الجولان، وإبقاء “إسرائيل” متفوقةً، مقابل احتمال التوصل إلى سلامٍ عربي-إسرائيلي شامل، وتمهيد الطريق أمام الاستثمار الأجنبي في البلاد. ولكنْ إذا لم تعدْ الولايات المتحدة مهتمةً بسورية، واستمرّت روسيا في التركيز على القضايا الأمنية فحسب، مع تجاهل القضايا السياسية؛ فإنَّ إيران ستكون القوة المهيمنة في دمشق.

هذا لا يهم، لو كان المكان الذي نتحدث عنه معزولًا أو في فراغ، لكنّ الشرق الأوسط اليوم ليس فراغًا. لنْ تتسامحَ “إسرائيل” مع السيطرة الإيرانية على سورية، وإن كان يحمل خطاب الأسد الأخير أيّ دلالة، فلن يتمكن من منعها. والنتيجة ستكون حتمًا حربًا سورية إسرائيلية، وهذا يعني حقًا حربًا بين إيران و”إسرائيل”، وهي حربٌ لنْ تقتصرَ على سورية.

ولمنع ذلك، يتعين على صناع السياسة الأميركية، والروسية بذل المزيد من الجهد؛ لإنهاء الحرب، وينبغي أن يساعدوا في إنشاء ومراقبة “مناطق تخفيف التصعيد”، والعمل بالطرق الدبلوماسية، لتأسيس مستقبل سورية ما بعد الحرب. ويجب على جميع الأطراف الخارجية الأخرى أنْ تظلَّ مشتركةً مع سورية؛ للتأثير على الحكومة هناك. وإذا بقيت إيران هي الطرف الوحيد المستثمر في مستقبل سورية؛ فإنَّ النتيجة يمكن أنْ تكون كارثية.

 

اسم المقال الأصليIran Is Taking Over Syria. Can Anyone Stop It?
الكاتبدافيد ليخ، David W. Lesch
مكان النشر وتاريخهنيو يورك تايمز، The New York Times، 29/8
رابط المقالةhttps://www.nytimes.com/2017/08/29/opinion/iran-syria.html?mcubz=0&_r=0
ترجمةأحمد عيشة

مقالات ذات صلة

إغلاق