تحقيقات وتقارير سياسية

الدادائية

حركة فنية وأدبية، سخرت من الواقع ورفضته، واستهزأت بكل القوانين والمذاهب الفكرية السائدة، ومن أداء المؤسسات والمفاهيم الناظمة لها، ورأت أن هدم كل ما هو قائم ومتوافق عليه في المجتمعات، من علوم وعقائد وفلسفات ونظريات، يسهم في خلق حالة جديدة، لا قيود لها ولا حدود.

اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، كان أحد أهم أسباب نشوء هذه الحركة؛ إذ رأى بعض الشعراء والكتاب والفنانين أن البشرية تقوم بتدمير كل ما أنجزته، وأن كافة النظم التي كانت تحكم العلاقات والأفكار والمبادئ لم تصمد أمام الرغبة في القتل والدمار، وأن الحضارة لم تتمكن من تقديم السلام، وهي بهذه الحرب المدمرة أشاعت الخوف والقلق والبؤس والألم، وعرّت الرغبة الكامنة في تحطيم الإنسانية وجعلتها مكشوفة، بلا أي حماية، أمام آلة الحرب الرهيبة التي لا تقيم وزنًا للإنسان.

يرى البعض أن ما قدمه الشاعر الفرنسي آرثر رامبو، في منتصف القرن التاسع عشر، قد يكون بدايات لنشوء الدادائية، إلا أنها ظهرت بشكل واضح، مع الحرب العالمية الأولى التي تسببت بمقتل ملايين الضحايا، وبدمار هائل نتيجة استخدام أسلحة جديدة شديدة الفتك.

أصبحت كلمة (دادا) في سويسرا -حينئذ- تشير إلى ذلك المذهب الفني الجديد الذي لا يتقيد بقالب، ولا يستند إلى أي رؤية واقعية، وقيل عنه إنه يبتعد عن المنطقية في التعبير، حيث اعتمد أسلوبًا مثيرًا وغير مترابط ومليئًا بالرموز، يَعتقد أن تحفيز عقل المتلقي يمكن أن يفسر ما يتم إنتاجه.

كان للشاعرين: الروماني تريستان تزارا، والألماني هوغو بال، وغيرهما، دور رئيس في تدعيم ونشر الحركة، وهي تعبر عن حالة انتقام من الحركة المادية السائدة التي ساهمت في اندلاع الحرب العالمية الأولى، كونها ثقافة سائدة يجب تحطيمها، من خلال الفن والأدب بكافة تصنيفاتهم.

بدأ الفنانون المنتمون إلى الحركة بطباعة رسوماتهم على شكل ملصقات، وأخذوا يرسلونها مع المجلات المعبرة عنهم إلى المدن الأوروبية، باعتبارها حركة فنية تحمل بداخلها بعدًا تهكميًا ذا إشارات سياسية، وقد ألقى (بال) بيان الحركة، في ملهى (فولتير) بزيورخ، في تموز/ يوليو 1916، ومن الملاحظ أن فنانين وشعراء وأدباء، من عدة بلدان وقوميات، شاركوا في الحركة، وهو ما يمكن اعتباره رفضًا للحدود والثقافات التي كانت محركًا للحرب.

اشتقت الدادائية من كلمة (دادا) التي يستعملها الجميع في التعبير عن حركة الطفل البريء الذي يبدأ المشي، دون تقيّد بقانون، بل يتحرك بشكل تلقائي، دون تفكير بالنتائج أو تقيد بالمنطق، وكان أول إصدار لها هو مجلة (دادا) عام 1917، وحوت أفكار الحركة، وورد في البيان الأول لها: “دادا هي تدفّقنا.. دادا هي الحياة، من دون نِعال..”!

كما ورد في البيان أنهم “ضد ومع الوحدة، وبالتأكيد ضد المستقبل”! وتابع “نحن حكيمون إلى درجة كافية لندرك أن عقولنا ستتحول إلى وسائد هشّة. ومواجهتنا للتعصّب والتعنّت هي من واقع كوننا موظفين مدنيين، وأننا نصرّح بالحريّة، ولكننا لسنا أحرارًا، وضرورات ماسّة دون اجتهاد أو أخلاقيات، وإننا نبصق على البشريّة”!

وجاء أيضًا في أحد البيانات: “(دادا) تتوقف ضمن إطار عمل الوعي الأوروبيّ، من الآن فصاعدًا نريد أن نتغوّط على كل الألوان المختلفة، لنحكم غابة الفن بأعلام قنصلياتنا، نحن قادة السيرك، وستجدوننا نصفّر بين رياح مدن الملاهي والأديرة وأحياء الدعارة والمسارح والحدائق والمطاعم”.

يقول أعضاء (دادا) إن كل من ينضم إليهم يحتفظ بحريته، وهم لا يقبلون أي “نظريات”، وأضافوا: “لقد شبعنا من أكاديميي التكعيبيّة والمستقبلية ومعامل الأفكار الجاهزة”. (دادا) هي “محو الذاكرة والمعمار والرُّسل والمستقبل، وهي الإيمان الكلّي والمطلق بكلّ إله، وجد في لحظة عفوية”.

لم تجد الدادائية شعبية كبيرة بين الناس؛ ولذلك سرعان ما انتهت، حيث لم تكن تحمل في داخلها أي فكر حقيقي جوهري، بل كانت عبارة عن شكوى وتأفف من كل شيء، دون أي وضوح في البدائل المتاحة أو التي يمكن العمل عليها، وبهذا وُصفت بالعبثية والعدمية، وقد فقدت الاهتمام منذ عام 1923 وانتهت، ولكنها كانت عنصرًا مساعدًا في ظهور حركات تعبيرية أخرى، منها الحركة السريالية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق