هموم ثقافية

هــل نـجح المــؤمنون في قــتل الإله؟

على الأرجح، أن فيلسوفًا مثل نيتشه، ملحدًا بذلك الشكل بالغ الوقاحة والازدراء، لم يعلن عن ردم الإله المسيحي، إلا لأنه استوطن سرديّاته الخاصة، من حيث تشغيل ضربٍ من الغنوصية الكامنة فيه، منذ إعلانه عن نبيّه “زاراتوسترا”، ومن حيث وقوفه على آثار الفلسفة اليونانية القديمة. ومن الواضح أنه يخاف القتل، وإلا فلماذا ازدرى حداثة الغرب وقتلةَ ذلك الإله، بوصفهم النموذج الفذ في التعبير عن قحط العقل الأوروبي وعدميته، بعد عجزه عن تحقيق جميع وعوده المبشرة بالسعادة؟

في المقابل، نحن -الذين يعيشون عواصف الثورات ومحنةَ تشغيلِ القرابين البشرية وتدخّل الآخرين في شؤوننا السياسية، تحت راية العدوان المباشر ومكيدة الأصدقاء- ما زلنا، حتى هذه الساعة، نفتقر إلى حسّ حواريّ مع إلهنا –إله المسلمين- بل ننقسم إلى طوائف جديدة باسمه لا غير، وكأن ما نعيشه اليوم ليس قيامة وثنية أو ميتافيزيقية، بل شأنًا آخر هو ما بعدها. على الرغم من ذلك لم يطلّ علينا أيضًا مفكر أو فيلسوف كي يخبرنا بـ “موت الإله” في بريتنا، أو ربما بخروجه من دمنا وجلدنا وتحوله إلى بضاعة، يحتكرها المتحدثون باسمه، كي يبرروا مشروعية القتل، ولكنهم قتَلة على أي حال، إنه أول ضحاياهم، لنقُلْها هكذا بكل صراحة؛ فقد تمت عملية تشييئه بشكل مقيت، ولم ينجُ من المكيدة؛ فصار لزامًا علينا ازدراء الصورة التي صار يُقدمُ إلينا من خلالها.

على غرار هول الحروب والمجاعات والأوبئة والطوائف وخصي الثورات وتفشي الرعب وعودة السلوك الدموي مع أكلة لحوم البشر المتحدثين باسم الإله، نشهد هذه الأيام مهزلة جديدة تُضافُ إليه، أو هي تلطخه بعفنها حتى إنها أفقدته كل معاني القداسة والتوهج الروحي، ثم ألقت به في حظيرة الانعكاس الذاتي للمؤمنين به. هذه المهزلة وجدت اشتغالها من قبل أولئك الذين شدوا رحالهم إليه، بغاية الحج؛ فإذا بهم يلتقطون صورهم هناك في مشهد لا يمكنه غير إثارة السخرية والتهكم والضحك والازدراء: هذا يبتهل وذلك يرجم كائنًا ميتافيزيقيا يدعى الشيطان، وآخر يتصنّع الخشوع. لقد سمح لهم العقل التكنولوجي المنتسب إلى الحداثة، بنقل الحدث الفرجوي للحج، والإلقاء به في تخوم الشاشات والمواقع الافتراضية، وهو حدث مكّن كل أحد منهم، من استعراض إيمانه الخاص، مقابل ما دفعه من تكاليف يستثمرها الآخرون في شراء الأسلحة وشن الحروب على شعوب مجاورة، ولا نعرف إنْ كنّا نحن مشاهدي تلك الصور أو جمهور ذلك الحدث الفرجوي مكان الإله، أم أنه استكثر على نفسه سماع ابتهالاتهم، وكلفنا بمهمة إسنادهم صكوك التوبة، بدلًا منه!

أي ضرر يلحق الآن بهذا الإله؟ ألهذا الحد يتم التنكيل بأبعاده العميقة ومعانيه المقدسة، من قتلة احترفوا رقش الرؤوس باسمه، إلى ضرب من الكهنة الجدد، يستعرضون باسمه التوبة؟

فلنعلن الآن –وبجرأة- عن موت إله المسلمين. أَنْ ننجح في ذلك؛ فهذا يعني أننا نضع الآخر -مستثمر هذا الإله- في مأزق يذبحه من الوريد، وقد يفضي إلى إفلاس بنوكه. في الحقيقة؛ نحن بهذا الشكل ننجو، وينجو معنا هذا الإله البريء، بعد أن صار بضاعة في أسواق العولمة. ولكن علينا أولًا أن ننتبه إلى أولئك المؤمنين به، فهم الآن “أشد مضاضة عليه”، من دعاة الإلحاد الطفيليين. إن ذلك المؤمن لم يعد له أدنى رغبة في البقاء على قيد الحياة، بعد أن صار جحيمُها لا يطاق، لذلك هو الآن ينتسب إلى الموت أكثر من أي شيء آخر، ولأنه يعتقد أن له بديلًا هو ذلك الإله، فلن يتورع أبدًا في القتل من أجله أو الإعلان عن توبته، وفق مشهد استعراضي، لا يكرس إلا سياسات احتكاره والزج به في منطق السوق. أما نحن فمهمتنا الآن الإعلان عن براءة هذا الكائن الميتافيزيقي الذي أحببناه، خارج السرديات الصحراوية، أو بعيدًا عن سجلات الحداثة المموهة في أزمنة الدمار الفوضوي. ولننتبه، فلا نحن ولا نيتشه نُعدّ من أولئك المجرمين.

لا يمكن لأولئك القتلة التصريح بموت هذا الإله؛ لأن جريمتهم تقتضي المحافظة على وجوده؛ لذلك هم -حتى الآن- على جهل مطبق بمكائدهم، فبقدر ما تتحرك فيهم نزعة التنكيل بجثمانه؛ ينشأ الاعتقاد بكونهم أول الواقفين في ساحات الدفاع عن قداسته، وهذا وعي مرضي ينم عن كونهم جردوه من أزمنته السرمدية، في سبيل نحت كينونتهم الخاصة، فإذا به يُنبَذُ من العالم الوضعي، ويُستهجَن، بقدر ما تتم عملية نفيهم بدورهم. إنهم الأكثر بؤسًا في هذا الزمن، ولا نشيد لهم غير أسطوانة الألم والعذاب الذي يفري عظامهم فَرْيًا؛ إذ هم الذين سحقتهم الحاجة الاجتماعية الملحة، فارتدوا عن أصل المعركة لالتهام إلههم وثقافتهم، وذلك هو المراد لهم من قبل عدوهم الحقيقي.

إن إعلان موته لا يمثل نوعًا من كنسه أو دحضه خارج مخزوننا الروحي والثقافي، بقدر ما هو إعلان صريح عن إفلاس بنوكه التي فتحها قتلته من كل حدب وصوب، كما هو محاولة طفولية للإعلان عن براءته وإعادة تنشيطه في دمنا؛ بما يجعل من قهر الإنسانية نَفيًا له ومن أفوله نهايتها هي الأخرى. بعبارة أخرى: يجب أن نسكنه كما لو أنه موسيقى العالم وربما ضوء المستقبل. لكن يبدو أن الأوان قد فات، لقد نجحوا في ردمه تحت غبار التواريخ، دون الإعلان عن موعد جنازته حتى، وليس ثمة الآن غير ضجيج تلك الأرواح البشرية الخالية من معانيها الإنسانية، وبعضٌ من أطيافه التي تحوم قرب المقابر والمجازر الجماعية وبنوك المتاجرين بسردياته: أطيافٌ تدين هذا العصر، عصر الإنسان الوحش.

مقالات ذات صلة

إغلاق