أدب وفنون

حذاء شارلي شابلن

اختلفت معه على من يمثل سورية أولًا، وعلى مفهوم الكرامة ثانيًا، كان ذلك عندما كتب في صحيفة (الأسبوع الأدبي)، العدد 1553 في 13 آب/ أغسطس 2017، تحت عنوان (وطن تليق به الحياة) ما نصّه:

كل الذين راهنوا على سقوط سورية وركوعها واستسلامها خاب ظنهم، وأسقط في أيديهم. فراحوا يجترون خيباتهم، ويندبون أحلامهم العاثرة”.

معك كل الحق يا صديقي. فسورية لن تسقط، ولن تركع. فقط تعال كي نبحث معًا عمن سقط، ومن الذي ركع.

المسألة -بتقديري- لا تحتاج إلى كثير من الجدال والفلسفة. أنا مثلًا لم أر في حياتي أرضًا سقطت أو ركعت. فالولاة الذين على الأرض هم الذين يسقطون، حينما يركعون، أمام من ثبّت أقدامهم وهداهم، وتعاون وإياهم، وانتشلهم من بؤرة سحيقة بعد سقوطهم. أم أنا علطان؟

من البداية، يا صديقي، اختلفنا على من يمثل سورية، لكن خلافنا الأشد كان عندما اشتطّ بك المزار، وضاقت بك السبل؛ وأنت تبحث عن كرامة أولياء النعمة.

خف الله يا رجل؛ ألم تجد أمامك كي تحافظ على كرامتهم إلا دماء السوريين وتشريدهم من أرضهم، وتدمير مدنهم؟! لا تظن أنني أفتري عليك، فهل كنت تملك رصانتك، عندما كان إصرارك على “التشبث بالحياة الكريمة، حتى ولو كان ذلك مقابل دم يهرق، أو فئة تتشرّد، أو مدينة تدمّر”، كما ورد في مقالتك بالحرف؟

سأصدقك القول إن هذه الكرامة التي تتحدّث عنها -يا صديقي- هي من نوع نادر جدًا، عندما يكون ثمنها نهرًا من الدماء، وتشريد أكثر من نصف الشعب السوري الذي أخذ يسترفد اللقمة ممن أطعمهم من جوع، وكساهم من عري. وآمنهم من خوف، فسدوا أمامه كل النوافذ لردّ الجميل.

جميلة هذه الكرامة التي تتجلّى في تدمير المدن، مقابل المحافظة على كرامة الأسياد! وجميل مفهوم الكرامة لديك، يا صديقي، حينما يتجلّى في بقاء الأسياد على عروشهم الزائفة. أنا لا أنكر عليك هذه الثقافة، ما دامت تضمن لك البقاء في مكان لا يحسدك عليه أحد، ولا ينازعك فيه منازع؟

ذكرتني، يا صديقي، وأنت تحاول الحفاظ على كرامة الأسياد، بتلك المرأة البائسة التي كانت تجلس في بيتها حاسرة، دون حساب لمن يقتحم خلوتها، وما إن فاجأها أحد الجيران بدخوله الطارئ، حتى رفعت ثوبها لتغطي رأسها المكشوف، دون أن تحسب حسابًا لعورتها التي انكشفت، وأخذت تتلاعب بها الريح.

ليس المهمّ أن تبقى العروش قائمة، فهي الضمانة الوحيدة لكرامة الشعوب. ولا كرامة لشعب إذا اهتزّ عرش مليكه. فالحكام الملوك ظل الله على الأرض، يوم لا ظل إلا ظله.

في مدرسة واحدة تعلّمنا. ومعًا عشنا نكسة حزيران، أتذكر يا صديقي تلك المرارة التي تجرّعناها، ونحن نرى فلول جيشنا الباسل يتقهقر تاركًا سلاحه، وتاركًا الأرض ومن عليها للمصير المشؤوم؟ يومها بكينا معًا، وسالت دموعنا قهرًا. أنت لم تكن بعثيًا في ذلك الوقت. كنت في تنظيم آخر. وأخذت تسخر منّا نحن -البعثيين- حينما أعلنت قيادتنا الحكيمة -آنذاك- الانتصارَ، على الرغم من الأراضي التي خسرناها؛ ذلك أن العدو لم يستطع أن يُسقط النظام التقدمي المقاوم الممانع، إلى آخر تلك الصفات الرائجة. فأين المشكلة، إذا احتل العدو جزءًا من أرضنا، ما دمنا نمتلك أراضيَ واسعة، ونظامًا مقاومًا! ولو استطاع أن يسقط النظام، فمن أين لنا أن نستعيض عنه بنظام تقدّميّ آخر؟!

ماذا جرى لك يا صديقي. فجأة رأيتك في صفوف الحزب. كيف نفذت يا رجل؟ كيف تسلّقت كيف؟!. وأصبحت ملكًا أكثر من الملوك، في غفلة مني.

أتذكر يوم كنا نفترش السياسة، ونحن طلاب ضباط في مدرسة المشاة بالمسلمية في حلب؟ كنا نتحدث بصراحة مطلقة، أنا البعثي وأنت الناصري، ولم نكن نختلف حول ما يجري على الساحة السياسية من تفاهات. بين عشية وضحاها؛ انقلبت الموازين وصار ذلك الذي كنا نراه معًا أسود أو نيليًا، أبيض ناصعًا بعينيك الجميلتين وبصيرتك الثاقبة!

رائحتك يا صديقي أخذت تزكم أنفي، كأنك لم تقرأ ما كتب الشاعر الكردي الجميل شيركو بيكس يومًا:

“ثمة أشياء زائلة في هذا الكون مثل عروش الملوك وتيجانهم وصولجاناتهم.

وثمة أشياء خالدة مثل حذاء شارلي شابلن وعصاه وقبعته”.

مقالات ذات صلة

إغلاق