أدب وفنون

رسالة عبر الحياة

عزيزنا محمود

اليوم، في مواجهة غياب حضورك، ترافقنا حضرة غيابك.

“الوداعُ هو الصمت الفاصل بين الصوت والصدى”.

ظلّ شِعرك عندنا على منوال صدى آتٍ، بعد صمت ثقيل وقع منذ تسعة أعوام. حدَّد صمتُ رحيلك الوقفةَ التي فيها توسَّع ثانيةً تنفسك الأخير، وأخْفَتَ كلّ الأصوات. إنما لم تتلاشَ موسيقى أبياتك ولم تضمحل، لم تستطع أن تفعل ذلك. فهزّنا صدى ملتهب بلغَنا من كل جهة، واستعمل كسند من صخور شعرك الصوانية.

من لا يعرفك، قد يتساءل كيف نجح شعرك في النجاة من عهد، حيث تمثّل الشهرةُ والمبالغة العنيفة المفاتيحَ لترك أثرٍ أو، على الأقل، لمحاولة القبض على جزء من الخلود؟ لكنْ، من دخل في أفكارك وبقي معقودًا مسحورًا منها، يدري أنّك لم تبحث عن المجد قطّ أو عن دموع الشفقة، أو سمعةٍ تبلل عيونًا وقلوبًا قسرًا. كان شعرك وما زال نقيًا في نقص نقائه، مثقَّلًا بجلطات دموية تفرض عليه أن يكتشف فسحةَ هواءٍ، بين قضبان كثيفة، ويعشق شريط الحرية بأكثر من سماء لازورديّة تتدفق إليك. أبياتك هائجة لأنها تأبى التكلّف، وهي ليست مقلّمةً لأنّ قطافها لم ينتهِ بعد ولم يبدأ بعد. ما دامت الشمس تُقبّل حقولَ الحنطة، سوف تهمس سنابلُ سطورك كلمات في النسيم. هذا النسيم هو ريح العبارة. فما مهارتك في الشعر؟ أنت تسوس هذه الريح وتخلق معها شيئًا مريحًا، شيئًا غير تالف.

ومن الملفت أن نفكّر في عفويتك وكيف تسوس هذه الريح، فأنت عليها من خلال الأداة الفطرية للتواصل مع يدي المرء، يعني الكلام. هو ما كسر عطشَ قلبك وقلوبَنا الساعية وراء المجهول. “ما هو الذي لا أعرفه؟ ما أعلى مني؟ ما أعمق من ضميري؟ هو قريب جدًا مني، وبعيد جدًا عني”. ربما كنتَ تتأمل ذلك كل مرة كرّستَ فيها نفسك لهذا البحث، وروَّضتَ قلبك ونظراتك على مراقبة أين تسلّلت الحياة في الخفاء، وأين كمنت متجاهلةً. وهبتَ حطامَك، لبستَ عريَ المنفي من دون أن تزيّنه أو تجمّله. بهذه الطريقة تعرفتْ حياتُك على الحياة، وعرفتما بعضكما البعض.

بات الشعر مطرًا منعشًا وعصارة تعدّل المصاير وتتسلل في غضونها، ليس لكي تصلحها، بل لكي تجددها. جعلتَ كل مكان يقف مكانه. جعلتَ كل كلمة تجد الصوت والقافية اللتين كانتا تطاردهما من فم إلى فم آخر. جعلتَ كل شعور يلحق بلسان تمكَّن من التعبير عنه. جعلتَ كل فكرة تحطّ على سبب وجودها. وجعلتَ كل إنسان يحصل على مكعّب في فسيفساء أكبر منّا.

لعلّك، في مكتبة طويتك غير المحدودة، كنت قد خصصتَ مكانًا لمجلد عن عادة “الكنتسوجي” اليابانية، والتي بحسبها لا تُرمى الأواني والأطباق المكسورة، بل تُصلح باستخدام الذهب؛ وبالتالي تتحول من مجرد قمامة إلى أخطاء غالية، وصدفة لن تتكرر، وجراح مفتوحة تنبت الكمال الدخيل.

إذن؛ اشفِنا، يا محمود، واسمح لرفيقك السرّيّ، يعني الخيال، بأن يكسرنا إلى ألفِ جزءٍ، لكي يبنينا من جديد، ويقرّبنا من المكعّب الذي يتربّص بنا. لَوّنْ بالذهب كلَّ الأواني المصدوعة التي تمثل “أخطاء طباعة في كتاب الكون”. علّمنا هذا الفن، بحْ لنا بسرّك واشرحه لنا رويدًا رويدًا، من خلال الأجيال، على نحو الأساطير القريبة لروحك.

“أما عشتَ بدلًا مني، كما مات أحد الموتى بدلًا مني دون أن أقول له: شكرًا! فما أنا إلّا هو دون أن أراه، أنا المدين لمصادفة باذخة العبث، في شارع لو أسرعتُ قليلًا أو أبطأتُ قليلًا، لمتُّ نيابة عن سواي، وعاش حياتي نيابة عني؟ فما هو إلّا أنا دون أن يراني… هو المدين لمصادفة باذخة العبث. كم قلنا إن علينا أن نكمل حياة الآخرين فينا، لا كما نريدها نحن فحسب، بل كما أرادها أصحابها الذين نعيش بدلًا منهم”.

بدون إحياءٍ ليس هناك كائن حي حقًا، وأنت فهمت ذلك في وقت مبكّر. الموت من أجل الحياة يعني أيضًا المقابلة بالنفي والرحيل من أي وطن ممكن. المسيرة نفسها هي الوطن.

إذا لم نرغب في أن نضحي بأنفسنا، فلن نحيا فعلًا من جديد. فهل كنا أحياء؟ ربما الشرط الوحيد هو الذي حاولتَ أن توضحه لنا من خلال أبياتك: إنّ الفرح يسكننا، ونحن نسكن فيه كأنّه وطننا الحقيقي.

مقالات ذات صلة

إغلاق