ترجمات

نيو يورك تايمز: المشكلة أكبر بكثير من بوتين

فلاديمير بوتين، الضابط السابق (المقدم) في إدارة أمن الدولة (ك. ج. ب)، هو أحد الضباط فقط في تاريخ طويل للقادة الروس الاستبداديين. تصوير دامون وينتر/ (نيويورك تايمز)

بعد أكثر من 25 عامًا على انهيار الاتحاد السوفيتي، ومحاولة بناء ديمقراطية بدلًا منه، أصبحت روسيا مرةً أخرى دولةً استبدادية. إنَّ عدم القدرة على بناء مؤسسات ديمقراطية، وهو الأمر الذي عانى منه زعماء ثورة شباط/ فبراير 1917، أدى إلى وصول البلاشفة إلى السلطة في وقتٍ لاحق من ذلك العام.

إنَّ الاستبداد الروسي له عواقبَ عميقة، ليس فقط على المواطنين الروس، بل أيضًا على البلدان المجاورة، وبقية العالم. يتبع الكرملين الذي لا يزال يعاني من عقلية “الحصن المحاصر”، سياسةً خارجية، تهدف إلى تحقيق “توازن القوى”، بين موسكو والغرب.

هذه الاستراتيجية التي عفا عليها الزمن، تخلق هستيريا لنزعة المغامرة العسكرية التي تهدد الكوكب بأكمله. كما أشار الدعاة المؤيدون للكرملين مثل ديمتري كيسيليوف، وهو صاحب تلفزيون معروف جيدًا، إلى أن “السلوك العدواني” للولايات المتحدة، قد يدفع روسيا إلى الرد النووي.

ليس مستغربًا أنَّ الكرملين يستخدم التضليل، وغيره من الحيل القذرة، لزرع الارتباك في الدول الغربية، وتقويض الإيمان بالنظم الديمقراطية. إنَّ قادة روسيا مقتنعون بأنَّ الديمقراطية الغربية تشكّل تهديدًا للنظام الاستبدادي، في بلدٍ كانوا قد زُرعوا فيه.

بالنسبة إلى موسكو، هذه لعبةٌ محصلتها صفرية: أيّ إضعافٍ أو تشويه للديمقراطية يمكن أنْ يفيد فقط نظام الحكم في الكرملين، ولكن هذا قصر نظر. قد يؤدي تمزق التحالف الغربي إلى خلق حالةٍ من عدم الاستقرار الخطير في جميع أنحاء العالم؛ ما يعرّض روسيا للمخاطر التي من المحتمل أنْ تكون غير قادرة على إدارتها.

من أجل إيجاد نظامٍ بديل للحكم، يحتاج الديمقراطيون الروس، مثلي، إلى فهم تاريخ بلدنا البائس. وبذلك نثير السؤال الذي لا مفرَّ منه: هل حجم روسيا، والثقافة السياسية، وانعدام الثقة في العالم الغربي، يجعلها غير ملائمة للديمقراطية؟

بالطبع لا.

إنني أرفض مغالطة أنَّ الروس غير قادرين على بناء المؤسسات الديمقراطية، بطريقةٍ أو بأخرى. فالناس قالوا الشيء نفسه عن الألمان، وكم كانوا مخطئين؛ ذلك أن البلدان ومواطنيها يتغيرون عادة في ردٍّ على فشلهم.

إنَّ غالبية الروس لم يشهدوا قط مؤسسات ديمقراطية، ولا يفهمون آلية عملها. لكنَّ الروس الذين انتقلوا إلى الغرب، تكيفوا بسرعةٍ وسهولة مع الظروف الديمقراطية. وهم يرون كيف تحمي الديمقراطية الحقوق والممتلكات الفردية، وتسمح للمجتمعات بالازدهار.

وعلى الرغم من الفهم غير الكافي للممارسات الديمقراطية، فإن لدى روسيا اليوم عشرات الآلاف من المنظمات المدنية التي تدافع عن الحقوق المدنية. أظهر استطلاع أُجري في عام 2012 لمركز أبحاث (بيو) أنَّ غالبية الروس يؤيدون إجراء انتخاباتٍ نزيهة، وقضاء عادل. الشعب الروسي يريد أنْ يُسمَع صوته، وأنْ يخضع قادته للمساءلة: إنهم يريدون نظامًا سياسيًا مختلفًا.

ولتجنب أخطاء الماضي، علينا أنْ نحدد لماذا أدتْ محاولتا روسيا لإرساء الديمقراطية في القرن العشرين إلى أنظمةٍ استبدادية جديدة. في كلتا الحالتين، بعد أن تمَّ الإطاحة بطاغية واحد -القيصر في عام 1917، والشيوعية في عام 1991- انتهت روسيا بتسليم السلطة إلى طاغيةٍ آخر.

كيف حدث هذا؟

في بداية القرن العشرين، لم يتمكن المحافظون، والليبراليون من إيجاد لغةٍ مشتركة لمناقشة أساسٍ ديمقراطي لروسيا. ونتيجةً لذلك، جاء الفصيل الأكثر رجعيةً داخل النخبة الحاكمة للهيمنة بعد ثورة 1905؛ وعرقل تطوير الإصلاحات الديمقراطية.

بعد الإطاحة بالقيصر في عام 1917، خسرت الديمقراطية مرةً أخرى. كان البلاشفة في جوهرهم تمامًا استبداديين، مثل الرجعيين الذين جاءوا قبلهم، فقط مع “الاستقطاب الأيديولوجي” المعاكس”. وقد تمكنوا من تبادل الإشارات في أماكن قليلة، ولكن البلاشفة لم يتمكنوا أبدًا من التحرر من المجال المغناطيسي للاستبداد الروسي.

كرّر التاريخ نفسه مع صعود بوريس يلتسين، وعلى الرغم من أنَّه كان أولَّ زعيمٍ منتخب شعبيًا في روسيا. في أوائل التسعينيات، مُنح الرئيس الجديد صلاحياتٍ دستورية غير عادية، حيث أشار الليبراليون المنتصرون إلى السيد يلتسين بأنَّه “قيصر”. وعندما اُنتخب فلاديمير بوتين، رئيسًا للمرة الأولى في عام 2000، ورث ضابط الاستخبارات نظامًا مصممًا تمامًا للحفاظ على التقاليد الاستبدادية الروسية.

يرى جزءٌ كبير من المعارضة الروسية اليوم، على عكس حركات المعارضة في الغرب، الحقوق الديمقراطية على أنَّها ليست ناتجة عن التمثيل السياسي المتوازن، بل عطايا من “قيصر طيب”.

إن هذا الاتجاه إلى اتباع حاكمٍ شهم، بدلًا من المؤسسات الديمقراطية، يجبر القادة السياسيين الطموحين على التماس الدعم العام من خلال الاعتماد على قوة شخصيتهم، بدلًا من التركيز على برنامجٍ سياسي واضح. للفوز، يجب على السياسيين خلق صورة لـ “زعيم قوي”. وبالتالي، فإنَّ التحدي الذي يواجه الروس ذوي التفكير الديمقراطي، ليس مجرد إزالة السيد بوتين من السلطة؛ ولكنه استبدال النظام السلطوي الذي يجسّده.

إنَّ أحداث عامي 1917 و1991 تعلّمنا أنّ الكرملين لا يستطيع أنْ يرسي الديمقراطية، بموجب مرسوم، وأن المؤسسات الديمقراطية لن تظهر فجأةً، في جميع أرجاء روسيا في آنٍ واحد.

يجب أنْ تبدأ العملية بالتحول السياسي لروسيا، ومدنها ذات التوجه نحو أوروبا: مثل موسكو، وسان بطرسبورغ، ويكاترينبورغ، ونوفوسيبيرسك وغيرها.

الروس الذين يعيشون في المراكز الحضرية مثل سان بطرسبرغ، المبينة هنا، وموسكو، هم أكثر ميلًا لقبول الديمقراطية الغربية وقيمها. تصوير أوليغ نيكيشين/ (نيويورك تايمز)

يمكن لهذه المراكز الحضرية أنْ تثبت لبقية أنحاء البلد كيف يمكن لأغلبية الناخبين أنْ تحترم الأقلية، والعكس بالعكس، عن طريق جعل عملية صنع القرار أقرب إلى الشعب، ومساءلة المسؤولين بإخلاص.

عندما يصبح المجتمع الروسي واعيًا بقوته الخاصة، سيجد شعبه الإرادة لتطوير ثقافةٍ ديمقراطية محلية ديناميكية، والمؤسسات اللازمة لدعمها. وأهم مهمةٍ هي إنشاء نظام عدالةٍ يقوم على سيادة القانون، وليس على سلطة تعسفية.

بالنسبة إلى الكرملين، فهذه الأفكار هي هرطقة: فهي تقوّض المعتقدات القديمة القائلة بأنَّ روسيا يمكن أن تُحكَم بشكل فعالٍ فقط من موسكو، وأنَّ تفويض السلطة سيؤدي إلى الفوضى.

يجب علينا أنْ نتبع شكلًا جديدًا مختلفًا جذريًا من الحكم، إنْ أردنا أنْ تكون روسيا بلدًا ناجحًا ومحترمًا، وقادرًا على تقديم مساهمةٍ إيجابية في العلاقات الدولية.

إنّ التسعينيات تعلّمنا درسًا آخر هو: أن الشعب الروسي، والشعب الروسي وحده هو الذي يجب أنْ يجد طريقه إلى الأمام. لا يستطيع الغرب أنْ يفعل ذلك لنا.

اسم المقالة الأصلي A Problem Much Bigger Than Putin
الكاتب* ميخائيل خودوركوفسكي، Mikhail Khodorkovsky
مكان النشر وتاريخه نيو يورك تايمز، The New York Times، 12/9
رابط المقالة https://www.nytimes.com/2017/09/12/opinion/putin-russia-mikhail-khodorkovsky.html?mcubz=0
ترجمة أحمد عيشة

 

* ميخائيل خودوركوفسكي هو مؤسس روسيا الحرة، وهي حركة ملتزمة بتعزيز الحكم الديمقراطي في روسيا. وقبل اعتقاله عام 2003، كان رئيس شركة نفط يوكوس. وصدر عفو عنه وأطلق سراحه من السجن في عام 2013.

مقالات ذات صلة

إغلاق