سورية الآن

روسيا تتأقلم: خطاب المبادرة

لا يُقرأ تراجع الزخم الاعلامي العسكري في وسائل الاعلام الروسية على أنه استنفاد الإعلان عن القدرات. فموسكو لا تزال تروّج، على نطاق ضيّق، لإمكاناتها العسكرية، وأسلحتها المتطورة. لكن ظروف المرحلة، تستدعي تهدئة، وتعميم لخطاب “المبادرة” التي تتولاها في سوريا، كطرف ضامن للسلام.
الزخم الإعلامي الروسي الحالي، يتنقل بين الحديث عن التهدئة، ونجاح تجربة مناطق خفض التوتر، والمصالحات، الى جانب “محاربة الإرهاب” المتمثل في تنظيم “داعش”. احتل هذا الخطاب منصاتها الإعلامية، بهدف تكريس دورها الحالي “المنفتح” على الأطراف، والآيل الى ما تقول انه جهود لتثبيت الأمن.
الانباء العسكرية تراجعت بنسبة تمثل الثلثين، مقارنة بما كانت عليه في الفترة الأولى لتدخلها العسكري في سوريا. لم يعد التعرف الى قدرات طائرة “سو 34” متاحاً الا بالبحث عنها، كذلك التعرف الى منصاتها الصاروخية العابرة للقارات. كانت المرحلة تقتضي حرباً نفسية، لإثارة مخاوف أطراف كثيرة تحاربها على امتداد الحرب السورية، من حلب الى أرياف اللاذقية وحماه وإدلب ودمشق.
أما الآن، فانحسر هذا الزخم، مع انحسار رقعة “الأعداء”، وتقلص عدد الخصوم. ففيما احتوت أطراف معارضة، تحت النار حيناً، وبالانفتاح على تركيا حيناً آخر، استوعبت روسيا مناوئيها، واقتادتهم الى “بيت الطاعة” الروسي، من غير أن يتضارب ذلك مع جهودها لكبح جماح النظام، و”ترويض” طموحات حلفائه.
تمثل معركة مدينة حلب في أواخر 2016، منعطفاً في تغيير الاستراتيجية العسكرية الروسية في الضخ الإعلامي، والتي انحصرت في الصواريخ المجنحة، والضربات المختارة بدقة، ضد تنظيم “داعش”. المعركة هنا، تستوجب ضخاً لإبراز عناصر القوة في معرض تحدي واشنطن، وإبراز دورها الموازي لدور التحالف الدولي. لكنها في الوقت نفسه، لا تستطيع تعميم خطاب القوة، على نحو اختبرته في السابق، لانتفاء الحاجة اليه، ولتضاربه مع خطاب “السلام” الذي تعممه بعد المصالحة مع تركيا.
والحال أن الضخ الأول هدف الى ترهيب ما هو أبعد من الفصائل والتنظيمات المتشددة المحدودة الامتداد في الشمال السوري. كان موجهاً الى تركيا التي انصاعت، بالتأقلم مع المستجدات وبفعل الديناميكية السياسية التركية، لاندفاعة “الدب الروسي”. وعندما أثمرت الاستراتيجية الاعلامية نجاحاً في تثبيت دور تطمح إليه موسكو، كطرف ضامن في سوريا، ومقبول لدى الفصائل كقوة فصل لمناطق خفض التوتر، تحول الضخ باتجاه مواءمة المستجدات.
لا ترى روسيا نفسها، هذه الأيام، إلا قوة فصل مقبولة من الجميع. الخطاب الاعلامي تبدل باتجاه لغة السلام. يتصدر خبر انضمام آلاف القرى الى جهود المصالحة، بحسب ما يعلن مركز حميميم، ويعمم الخبر على وسائل الاعلام الروسية. كذلك، خبر انضمام العشرات الى جهود المصالحة. وأخيراً، أخبار تتحدث عن عودة منشقين الى القوات الحكومية.
الخبر الاخير، ولو أن الحدث ليس جديداً بفعل الجهود السورية النظامية لاحتواء المعارضين بالقوة، ورفد ميادين القتال بهم، يمثل هدفاً يستوجب تلميعه وتعميمه. بذلك، تثبت انها “حليف قوي” لنظام عجز في السابق عن اعادة لملمة مواطنين وتجميعهم حولهم. ورغم أن الخبر يقول نصف الحقيقة، التي تكتمل بواقع انتفاء الخيارات امام العائدين، إلا أنه ضرورة اعلامية، تبرر الصور التي انتشرت في اليوم الأول للعودة الى الصفوف الدراسية، حيث يظهر الطلاب حاملين العلَم السوري الأحمر والأسود، وعلَم روسيا.
الواقع ان روسيا ليست قوة عسكرية فحسب. هي أيضاً قوة إعلامية، تتغير وتبعث الرسائل، وهو ما لم تعهده التجربة قبل الانتشار الواسع لقناة “روسيا اليوم”، ووكالة “سبوتنيك” وعشرات المحللين الاستراتيجيين الروس الذين ينتشرون في التلفزيونات العربية.
الحرب السورية لم تُعِد روسيا الى المياه الدافئة فحسب، بل أعادتها أيضاً الى خريطة النفوذ الإعلامي، بخطاب الحرب والسلام!.

(*) كاتب لبناني

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق