مقالات الرأي

واشنطن تُدير الخراب والرقة على أبواب حرب عرقية

شرعت الإدارة الأميركية في رسم الخطوط النهائية لملامح المرحلة المقبلة، في ما يتصل بواقع الرقة ومستقبلها، مع اقتراب الإعلان عن تحقيق “الانتصار” على “تنظيم الدولة الإسلامية” الإرهابي، وطرده من الرقة. وتقوم بمشاورات محمومة ومتسارعة، تستدرك فيها ما تعمدت إغفاله، في أثناء بناء شراكتها مع ميليشيا صالح مسلم، باستبعاد ممثلي الرقة (مدنيًا وعسكريًا) من المشاركة في عملية “غضب الفرات”. وفي ذلك استجابة لرغبات “حزب الاتحاد الديمقراطي”، وهو تعبير عن سياسة أميركية حيال المنطقة، وتعمل اليوم على التوفيق بين الأطراف المعنية مباشرة: أهل الرقة، مجلس المحافظة والناشطين، و”مجلس الرقة المدني” الذي يعمل مجرد واجهة لسلطات الأمر الواقع التي تتحكم بمحافظة الرقة، بدعم من التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، في ظل غياب لأي قوى سياسية تمثل الرقة.

مجموعة العمل الأميركية تنشط على أكثر من صعيد، بالتواصل مباشرة مع بعض الناشطين، ووسطاء عرب وسوريين، فيما اضطرت مؤخرًا إلى الاتصال مع أنقرة، بهدف تذليل الصعاب (الأمنية) التي تمنع الناشطين من التعامل مع الأميركيين مباشرة، والسفر خارج تركيا لهذا الغرض، بخاصة بعد انكشاف التحضيرات الجارية لعقد لقاء في روما، لهذا الغرض.

من المنتظر أن تُفضي هذه المشاورات إلى تلفيق صيغة عمل توافقي، لإدارة الرقة المدينة، يتسلم بموجبها مجلس محلي إدارتها، بينما تتراجع (قسد) إلى أطرافها. وفي ذلك ذرّ للرماد في العيون، عن الحقائق على الأرض. يعني أن التحالف الدولي (واشنطن) يهدف إلى دحر (داعش)، ولا يدعم أدواته بالاستيلاء على المدن وإدارتها.

يتحدد إطار المشاورات التي جرت حتى الآن، بمدينة الرقة، لتبقى كافة المناطق والمدن الأخرى تحت سيطرة سلطات الأمر الواقع، إلى أن تُقرر الولايات المتحدة مَن يحكمها، وفي الوقت عينه، تجري محاولات حثيثة لمزيد من نشر الخلافات بين الناشطين، ولتخريب أي جهود من شأنها تشكيل رأي عام حول الرقة، ينقذها -فيما تبقى من وقت- من براثن التمزيق الذي سوف تجلبه أية توافقات تطبخ بليلٍ، بشأن الرقة.

ومثلما يجري الاستفراد بناشطي الرقة ومجموعاتهم الصغيرة، يجري تكريس واقع الفصل والتقسيم الجغرافي، ويمنع مناقشة أوضاع الرقة كوحدة جغرافية متكاملة. ويتم الترغيب بمقاولات الإعمار التي يتوقع أن تنطلق قريبًا، وهي في الواقع لن تتعدى إزالة الأنقاض، وهذه لوحدها عملية كبيرة وشاقة، إنها أنقاض مدينة كان يقطنها مليون نسمة (مع المُهجّرين من مناطق سورية أخرى)، عام 2013. ولا تبدو هناك أي خطة مُعلنة، حتى الآن، بشأن الإعمار الذي قال فيه مسؤولان أميركيان (بريت ماكغورك ومايكل راتني) لعشائر الرقة، في لقاء جرى منتصف آب/ أغسطس الماضي: إن واشنطن غير مُلزمة بقضية الإعمار، لكنها ستبذل جهودًا لدى حلفائها، وتتخذ واشنطن من هذه المسألة عصًا للتلويح بمكافأة من ينخرط في التوافقات التي يجري العمل عليها، وإشارة إلى أن من يعزف عن المشاركة؛ فلن يجد شيئًا بانتظاره.

القضية الأكثر جوهرية من مسألة إدارة خراب الرقة العميم هي الاستمرار في تمكين “الاتحاد الديمقراطي”، بتعزيز سلطاته وتوطينها في المناطق التي يسيطر عليها بقوة السلاح. ولا تكتفي الولايات المتحدة بإغلاق باب المناقشة فيه، بل إنها تتجاهل خطط (ب ي د) في تكريد القرى والمناطق العربية، ومثال ذلك انتشار ظاهرة شراء أكراد لأراضي مُلّاك فقراء عرب، في المنطقة الممتدة من تل أبيض باتجاه الحسكة (شمالي خط حلب – القامشلي). حدث ذلك في قرى: (تليل الحليب، وجطامة، وكورمازه، والطيبة)، وهناك مساومات نشطة لترغيب الأهالي في بيع المزيد من الأراضي للأكراد.

يضاف إلى ذلك، التغاضي عن جرائم الحرب المُرتكبة من طرف ميليشيا صالح مسلم، والاستمرار في احتجاز وتصفية المعارضين لمشروعاتهم، ومنع الأهالي من العودة إلى قراهم، كما أنها بدأت -فعليًا- بفرض التجنيد الإجباري على الشبان المتبقين في المناطق التي تسيطر عليها (قسد)، بما في ذلك عمليات تجنيد الأطفال.

تريد واشنطن -بأي صورة وبأي وسيلة- إنجازَ اتفاق على إدارة الرقة، في ظل تصاعد الرفض من قبل كافة القوى بما فيها العشائرية، سواء من جهة استمرار سلطات الأمر الواقع، أو تعيين مجالس منقوصة القرار تشرف عليها ميليشيا صالح مسلم. ويتخوف الناشطون من الإقبال على التفاوض أو قبول المقترحات (الإملاءات) الأميركية، بخاصة في ظل الحراك السياسي النشط الذي يتم بعيدًا عن الرأي العام، وتلعب فيه أطراف وشخصيات غير موثوقة، أدوارًا في تسويق المشروعات. كما أن أي اتفاق هو بمثابة إلزام بالاعتراف بسلطات الأمر الواقع، من دون مراجعة أو محاسبة تجاوزاتها وانتهاكاتها الكثيرة، فضلًا عن أنه يُشرعن وجودها كقوة احتلال، من دون أن يشمل ذلك الاعتراف بواجبات المحتل، وفقًا للقوانين الدولية.

التجربة الأميركية في العراق وأفغانستان، في إدارة الدولة وحلّ النزاعات القومية والإثنية والعرقية، ماثلة أمام الجميع، ودرجة الإخفاق فيها مُثلى! وعلى ذلك، بعد موجة التدمير المهولة؛ فإن الرقة أمام استمرار احتلال “حزب الاتحاد الديمقراطي”، أو اجتياحها من النظام الأسدي مجددًا، إذا لم يتم حمايتها ودعمها لإنشاء إدارة حقيقية وفاعلة.

إن استمرار الولايات المتحدة، في سياسة دعم ميليشيا صالح مسلم، ومدّها بأسباب الاستقواء على أهل محافظة الرقة التي أضحت حجر الرحى في قضايا راهنة ومستقبلية، بشأن القضية الكردية، وقضايا الصراعات الإقليمية والدولية في المنطقة، سوف يجعل من محاربة الإرهاب دعامة، لإعادة تكوين منطقة الشرق الأوسط، بسبب استراتيجية واشنطن المحمولة على مبدأ الفوضى الخلاقة التي تُدمّر وتنسف كل شيء، وسوف تنتقل المنطقة من حرب شاملة بتحالفات دولية ضد الإرهاب، إلى حروبٍ قومية صغيرة طاحنة حارقة، في الشمال السوري بين العرب والأكراد، وهو ما هددت به العشائر التي تزمع عقد مؤتمر لها، أواخر الشهر الجاري في أنقرة، بعد أن فشلت في إقناع المبعوثين الأميركيين بضرورة إحداث نقلة جذرية في التعامل مع مسألة الرقة، وكفّ يد الاتحاد الديمقراطي وأدواته عن العبث والإجرام المتصاعد، والتوقف عن التدمير الممنهج، في ظل انكشاف خدع الحرب على (داعش) في الرقة، ولكن الأميركيين أشاحوا بوجوههم، كما أن العشائر ما تزال خائفة من المواجهة المباشرة، لأنها بلا سند، فيما لا يجد ناشطو الرقة، حتى اليوم، سبيلًا للتعاضد والتفاهم من أجل الرقة التي لا يعبأ أحد بواقعها ولا بمصيرها، بما في ذلك مؤسسات المعارضة الغارقة في عجزها المرير.

إدارة الخرائب والدفع نحو حروب جديدة هي مهارة أميركية بامتياز، والشمال السوري على قلقٍ تبدو أسباب الحرائق قد نضجت فيه.

مقالات ذات صلة

إغلاق