ترجمات

الغارديان: في مجتمع تتناقص فيه الأهداف المشتركة، تصبح سياسات الهوية هي الإجابة الناقصة

لقد اتخذت السياسة الليبرالية منعطفًا نرجسيًا وفقًا لكتابٍ جديد مثير للجدل. هل تحليله صحيح؟

 

“النضالات تمكن الناس من تجاوز هوياتهم الخاصة” رسوم: مايكل درايفر

في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، نشر مارك ليلا، وهو مؤرخٌ من جامعة كولومبيا، افتتاحيةً في صحيفة (نيويورك تايمز)، بعنوان (نهاية ليبرالية الهوية). وبسبب انتصار ترامب في الانتخابات، وضع ليلا اللوم على باب “سياسة الهوية” التي قال إنها قد أدت إلى تفتيت أو تذرير السياسة الأميركية، وتقويض الثقافة المدنية، كما دمرت الفرص الانتخابية للديمقراطيين. وقد كتب: إنَّ الليبرالية “انزلقت إلى نوعٍ من ذعرٍ أخلاقي حول الهوية العرقية، والجنسانية (الجندر)، والجنسية، وهي الأمور التي أدتْ إلى تشويه رسالة الليبرالية، ومنعها من أنْ تصبح قوةً موحدة قادرةً على الحكم”.

أثار مقال ليلا ردات فعلٍ غاضبة؛ إذ أشار بعضُ النقاد إلى أنَّه كان بلا جدوى، لأنه يدعي أنَّ جميع السياسات التي أصروا عليها، هي بالضرورة سياساتُ هوية. ورأى آخرون أنَّه هجومٌ على الأقليات. وزعمت كاثرين فرانكي، أستاذة القانون في كولومبيا، وزميلة ليلا، أنَّ ليلا كان يهيئ “لخلق أرضيةٍ تؤسس لجعل سيادة البيض وتفوقهم أمرًا محترمًا”.

إنَّها مناقشةٌ ذات أهميةٍ مماثلة للسياسة على هذا الجانب من المحيط الأطلسي. وهنا أيضًا، فاليسارُ قد ضَعُفَ إلى حدٍّ كبير، وأصبح المجتمع أكثر تفتتًا، كما قدّمت نقاشًا مقلقًا بالقدر نفسه، بشأن سياسات الهوية.

الآن أصبحت افتتاحية ليلا كتابًا بعنوان (الليبرالية في الماضي والمستقبل: بعد سياسات الهوية). وقد أعاد نشره النقاشَ حول سياسات الهوية. وفقًا لـ ليلا، جاءت اللحظة المهمة لليبرالية الأميركية مع صفقة روزفلت الجديدة في الثلاثينيات، والتي لم تركزْ فقط على الاحتياجات الفردية، بل على الصالح العام. ومن أجل استعادة السلطة، يجادل ليلا بأنَّ اليسار الليبرالي يحتاج إلى إعادة اكتشاف مفهوم الصالح العام، من خلال اعتماد شكلٍ براغماتي للسياسة. ليلا لاذعٌ على وجه الخصوص في ما يخص الحركات الاحتجاجية، مثل حركة (قضية حياة السود/ Black Lives Matter). ويقول: “نحن لسنا بحاجةٍ إلى مزيد من المتظاهرين، نحن بحاجةٍ إلى مزيد من رؤساء البلديات”.

يلخص ليلا، ونقاده جيدًا أثر مأزق السياسات المعاصرة على اليسار، ولا يستطيع العديد من منتقديه أن يروا أنَّ سياسات الهوية، بعيدًا عن الدفاع عن المهمشين والعاجزين، تفتتُ إمكانات التغيير الاجتماعي المجدي. لا يستطيع ليلا أنْ يرى أنَّ سياسات “ليبرالية الوسط” التي نصَّبتْ نفسها، والتي يناصرها هو، قد ساعدت على تفتيت السياسات التي يعتقد أنَّها لا نفعَ منها. في أوروبا، أيضًا، تكشف المناقشات حول الهجرة، والتعددية الثقافية، وحول القومية، والفدرالية، عن نوعٍ مماثل من الجمود.

إنَّ جذور سياسات الهوية المعاصرة تكمن في الحركات الاجتماعية الجديدة التي ظهرت في الستينيات من القرن الماضي، لتحدي فشل اليسار في التعامل مع قضايا العنصرية، والعداء للمثلية، وحقوق المرأة بشكلٍ جديّ. كان النضال من أجل حقوق السود في أميركا، على وجه الخصوص، مؤثرًا إلى حدٍّ كبير في توفير أنموذجٍ للعديد من المجموعات الأخرى، لتطوير مفاهيم الهوية والتنظيم الذاتي. نتيجة الانضغاط بين مجتمعٍ عرقي مكثف من ناحية، ويسارٍ، غالبًا غير مبالٍ بمحنتهم؛ فقد تخلى العديد من الناشطين السود عن منظمات الحقوق المدنية، وأقاموا مجموعاتٍ سوداء منفصلة.

هنا، حيث يبدو احتفال ليلا بصفقة جديدة لليبرالية باليًا جدًا، يقول ليلا: إنَّ “تدبير روزفلت”، دشَّنَ ليبراليةً مليئة “بالثقة، والأمل، والفخر، وروح التضحية بالنفس”؛ لكن ذلك ليس صحيحًا تمامًا، فقد كانت أيضًا ليبراليةً استوعبت قوانين جيم كرو التي شرعت الفصل العنصري والإعدامات، في كثير من الولايات الجنوبية الأميركية؛ واستبعدت الملايين من الأميركيين، من أميريكيينا الذين يريد ليلا الدفاع عنهم، وفي الكفاح ضد هذا الاستبعاد، تكمن أصول سياسات الهوية لما بعد الحرب.

لاحظ ليلا أنه “بسبب تزايد الوعي بين الليبراليين، انخفض الوعي السياسي”. وهذا هو ما يدعو لإيلاء القضية اهتمامًا أكبر. وليس صحيحًا أنَّ وعي الهوية قد قلّص الوعي السياسي، بل إنَّ تقليص السياسة الأيديولوجية قد سمحَ لسياسات الهوية بالازدهار.

في الستينيات، كان النضال من أجل حقوق السود، والمرأة، والمثليين مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمشروع التحول الاجتماعي الأوسع نطاقًا، ولكنْ مع فقدان الحركة العمالية النفوذ، وتعثر النضالات الراديكالية، من الثمانينيات فصاعدًا؛ توترت العلاقة بين تعزيز حقوق الهوية، والتغيير الاجتماعي الواسع، وأصبحت باليةً. وفي نهاية المطاف، أصبح تعزيز الهوية غايةً في حد ذاته، وقد تبخرت إلى حدٍّ كبير النزعة الكونية التي كانت تغذي الحركات الراديكالية.

إنَّ تآكلَ قوة منظمات الحركة العمالية، وموت الحركات الاشتراكية الراديكالية، وتراجع الأيديولوجيات الجماعية، وتوسّع السوق في كل زاويةٍ وشقٍّ من الحياة الاجتماعية تقريبًا، وتلاشي المؤسسات، من نقابات العمال إلى الكنيسة، قد ساعدت كلَّها في خلق مجتمعٍ أكثر تفتتًا. هذه هي التغييرات التي مزقّتْ الروابط الاجتماعية، وفرَّغتْ الحياة المدنية من أيّ محتوى.

وقد تفاقم هذا الإفراغ بسبب تضييق المجال السياسي، من خلال السياسة التي أصبحت بوعي ذاتي أقلَّ أيديولوجيةً، وأكثر تكنوقراطية.

لقد تجاهل الديمقراطيون في أميركا الكثيرَ من ارتباطاتهم الأيديولوجية القديمة، فضلًا عن صلاتهم بدوائرهم ومؤسساتهم الاجتماعية القديمة. وقد وصف ديك موريس، المستشار السياسي السابق للرئيس بيل كلينتون آنذاك، الذي أشاد به ليلا، عمليةَ “الوسطية” اليسار الذي يسرق ملابس اليمين، بحيث يمكن أنْ يبدو فوق السياسة الأيديولوجية. وكانت هذه مقاربةً اعتمدها توني بلير لحزب عمالٍ جديد، كما يرى كثيرون، في سياسات إيمانويل ماكرون، محاولةً لإصدار نسخة فرنسية جديدة مماثلة.

غيرَ أنَّه ليس من خلال الوسطية أو الإداراتية التي يربطهما الناس معًا، وإنما يفعلون ذلك من خلال صراعاتٍ مشتركة من أجل التغيير الاجتماعي. ومثل هذه النضالات تمكّن الناس من تجاوز هوياتهم، وإعطاء معنى للتضامن المدني. ومن خلال هذه الصراعات الاجتماعية يمكننا أنْ نحدّدَ الأهداف المشتركة التي ينبغي أنْ تكون، وما قد نعنيه بالصالح العام.

مع تقلص تأثير الحركة العمالية، وتلاشي الصراعات الاجتماعية الأوسع نطاقًا؛ أصبح “التضامن” بالنسبة إلى الكثيرين أكثر تحديدًا، ليس بمصطلحاتٍ سياسية، كعملٍ جماعي سعيًا وراء بعض المثل السياسية، بل بمصطلحاتٍ أضيق بكثيرٍ من هوية جماعة، وإن ترامب نفسه هو نتاجٌ لهذا، وكذلك الشعبويون المناهضون للهجرة في أوروبا. إحدى عواقب تعميم سياسات الهوية هي أنَّ العنصرية، على جانبي المحيط الأطلسي، قد أُعيدت صياغتها بعدّها سياسة هوية بيضاء.

ما فشل ليلا في إدراكه هو أنَّ المطالبة بـ “رؤساء بلديات لا متظاهرين”، أي بسياساتٍ براغماتية بدلًا من الحركات الاجتماعية، هو تغييرٌ قد حدث بالفعل؛ وكانت النتيجة نوعًا من سياسات الهوية التي يحتقرها بحق. المشكلة ليست أنَّ هناك متظاهرين بدلًا من رؤساء البلديات، بل إنَّ كلًا من المتظاهرين، ورؤساء البلديات -سواء كانوا من الناشطين أم السياسيين- يعملون في عالمٍ، تلاشت فيه رؤى أوسع للتغيير الاجتماعي. كيفية استعادة الشعور بتضامنٍ قائم على سياساتٍ أوسع نطاقًا بدلًا من هوياتٍ ضيقة هو التحدي الحقيقي الذي نواجهه.

اسم المادة الأصليIn a society too short of common goals, identity politics are an imperfect answer
الكاتبكنان مالك، Kenan Malik
مكان النشر وتاريخهالغارديان، The guardian، 17/9
رابط المقالةhttps://www.theguardian.com/commentisfree/2017/sep/16/no-common-goals-fragmented-society-identity-politics?utm_source=esp&utm_medium=Email&utm_campaign=GU+Today+main+NEW+H+categories&utm_term=243961&subid=21764362&CMP=EMCNEWEML6619I2
عدد الكلمات977
ترجمةأحمد عيشة

 

 

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق