ترجمات

واشنطن بوست: إلى أيّ مدًى يمكن أن تذهب الحرب الخطرة في شرق سورية؟

تشير الحرب ضدَّ “تنظيم الدولة الإسلامية” -دائمًا- إلى أنَّها ستدخل مرحلة الفوضى في نهاياتها، حيث يتراجع المسلحون، وتتقارب القوى المتنافسة من اتجاهاتٍ مختلفة. لقد حلَّت تلك اللحظة. تتدافع القوى العالمية وحلفاؤها المحليّون؛ للسيطرة على محافظة دير الزور النائية في شرق سورية، في سباقٍ متسارع يُقارن بسقوط برلين في عام 1945.

المحافظة التي تبلغ مساحتها ثلاثة أضعاف مساحة لبنان، وتتكون في معظمها من صحراءٍ فارغة، كما أنَّها تحتوي على معظم موارد سورية النفطية، وقعت تحت سيطرة “الدولة الإسلامية” منذ عام 2014. ولكنْ ما هو على حافة الخطر أكثر من ذلك بكثير: ملامح مستقبل سورية ما بعد الحرب، والتطلعات الكردية إلى شكلٍ من أشكال الحكم الذاتي، والمنافسة على النفوذ في الشرق الأوسط، بين الولايات المتحدة وإيران وروسيا. على الأرض، ينقسم المقاتلون إلى معسكرين: أحدهما تدعمه روسيا وإيران، والآخر تدعمه الولايات المتحدة وحلفاؤها.

تتقدم من الشمال (قوات سورية الديمقراطية) أو ما يدعى (قسد) المدعومة من الولايات المتحدة، وهي تحالفٌ يقوده الأكراد، ويتألف من القوى الكردية والعربية التي توسع حدود منطقة الحكم الذاتي التي اقتطعتها من الشمال. ترافقهم قوات العمليات الخاصة الأميركية، وتدعمها الغارات الجوية الأميركية.

مقاتلون من (قوات سورية الديمقراطية) المتحالفة مع الولايات المتحدة، على مشارف شمال دير الزور، في 21 شباط/ فبراير (ديليل سليمان/ وكالة الأنباء الفرنسية عبر صور جيتي)

ومن الشرق، تحقق الحكومة السورية، وحلفاؤها تقدمًا سريعًا، يرافقها مستشارون روس وإيرانيون، وتدعمهم الغارات الجوية الروسية. إنَّهم يحققون هدفَ الرئيس السوري بشار الأسد المتمثل في إعادة تأكيد السيادة السورية على كلِّ شبرٍ من سورية، والتأكد أيضًا من إبعاد الولايات المتحدة.

اقتربت القوات من بعضها البعض، في الأسبوع الماضي، مسافة ثلاثة أميالٍ في مدينة دير الزور. وبعد أنْ قامت القوات السورية بطرد “تنظيم الدولة الإسلامية” من معظم الجزء الجنوبي من المدينة، اندفعت (قوات سورية الديمقراطية) جنوبًا عبر الصحراء، وتموضعت على حافة المدينة الشمالية.

وقد اتضح احتمال سوء التقدير القاتل: وكما ذكرت الصحفية لويزا لافلاك، من جريدة (واشنطن بوست): قصفت الطائرات الحربية الروسية موقع (قوات سورية الديمقراطية)، يوم السبت 16 أيلول/ سبتمبر، وأصابت أحد مقاتلي الجماعة. بينما نفت روسيا الضربة، وتقول الولايات المتحدة إنَّها تحقق فيما يبدو أنَّه أولُّ تحدٍّ روسيّ لوجودها في المحافظة.

لكنَّ مدينة دير الزور ليست التركيز الحقيقي للسباق؛ فالجائزة الأكبر بكثير تقع في الجنوب، في المدن القلقة على طول وادي الفرات، وتشمل الميادين، حيث يُعتقد أنَّ العديد من كبار قادة “تنظيم الدولة الإسلامية” قد انتقلوا إليها، والبوكمال التي تتحكم بالمعبر الحدودي الرئيس مع العراق؛ حيث قال الكولونيل ريان ديلون، المتحدث باسم الجيش الأميركي في بغداد: إنَّ هذه المدن هي الهدف القادم للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة.

نفى ديلون وجود أيّ نوعٍ من “السباق” مع الجيش السوري وحلفائه، وقال: “نحن هنا فقط لنهزم (داعش)، ونهيئ الظروف لمتابعة الاستقرار في المنطقة”، مستخدمًا اسمًا آخرًا لـ “تنظيم الدولة الإسلامية”.

لكن النظام السوري، وحلفاءه، يهدفان أيضًا إلى استعادة هذه المدن التي تتحكم بالوصول إلى الحدود العراقية، وتمكَّن إيران من إعادة فتح الطريق البريّ بين طهران وبغداد ودمشق، الذي كانت تحتفظ به قبل الحرب السورية.

لم يخفِ النظام السوري وإيران نيتهما في منع الولايات المتحدة وحلفائها من الاستيلاء على المنطقة؛ إذ قالت بثينة شعبان، وهي من مستشاري الأسد المقربين، لمحطة تلفزيون (المنار) التابعة لـ “حزب الله”، يوم الجمعة 15 أيلول/ سبتمبر: إنَّ “الهدف الاستراتيجي لسورية هو منع الولايات المتحدة وحلفائها”، مساوية وجودهم مع وجود “تنظيم الدولة الإسلامية”.

وأضافت: “سواء كانت (قوات سورية الديمقراطية)، أم [الدولة الإسلامية]، أو أيَّ قوةٍ خارجية غيرُ شرعيةٍ في البلاد، فإنّنا سنقاتلها، ونعمل ضدها حتى تتحرر أرضنا تمامًا من أيّ معتدٍ”. وفق تعليقٍ مقتبس من التلفزيون الإيراني.

كما لا يصدّق الخبراء إنكارَ الولايات المتحدة السباق على الأراضي. نيكولاس هيراس، من مركز الأمن الأميركي الجديد، يعتقد أنَّه سباقٌ ربما تفوز فيه الولايات المتحدة. وقال: إنَّ القوات الحكومية السورية تفتقر إلى القدرة على استعادة مناطق واسعةٍ من “تنظيم الدولة الإسلامية”، وقد تقاتل من أجل تحقيق مكاسب.

“الأسد يلعب لعبة الدجاج مع قوةٍ عظمى. وحتى مع دعم روسيا، ما يزال موقف قواته في مرحلة إعادة التأسيس في شرق سورية”. وأضاف: “إذا هاجم الأسد الجيشَ الأميركي، يمكن أن يُعاد الى الوراء، وبقسوةٍ أكبر”.

لكن أرون لوند، وهو محللٌ مختص بالشأن السوري، يكتب لمؤسسة القرن، تساءل: إن كانت لدى الولايات المتحدة الرغبة في شنِّ حربٍ مع نظام الأسد، وإيران، وروسيا التي من الممكن أن تمتد عبر المنطقة. وسوف يعتمد كثيرٌ من النتائج على صدقية تعهدات ترامب بتقليص النفوذ الإيراني في المنطقة، إن كانت تمتد إلى حدٍّ بعيد.

حتى الآن، تمت تسوية المواجهات بين الجانبين (إحداها بالقرب من الرقة، والأخرى في التنف، البؤرة الأميركية على الحدود السورية العراقية)، من خلال اتفاقات عدم الاشتباك التي ترسم خطوطًا تحدد فيها مواقع الجيوش المتنافسة. وقال لوند: “يبدو أنهم يأملون كثيرًا من هذه المحادثات”.

جندي روسي يتفحص مدى قناصته، خلال جولة إعلامية لوزارة الدفاع الروسية في ضواحي دير الزور، في 17 أيلول/ سبتمبر (دومينيك ديردا/ وكالة الأنباء الفرنسية عبر صور جيتي)

ولكنَّ هذه الاتفاقات هي مسائل مخصصة، وضعت بعد أن تمَّ الاستيلاء على منطقةٍ، حيث يبدو أنَّ الاشتباك وشيكٌ؛ ما يعطي كلا الطرفين حافزًا لانتزاع الأراضي. ومع أنَّ “تنظيم الدولة الإسلامية” يبدي حتى الآن مقاومةً ضئيلة في المحافظة، لكن هناك خطرًا من أنَّ الأحداث على الأرض ستتجاوز رسم الخطوط.

كل العيون الآن على نهر الفرات الذي يمثل خط ترسيم حدودٍ غير رسمي. وسيتعين على الجانبين عبور النهر، في اتجاهين متعاكسين، إذا أريد لهما تحقيق أهدافهما، وكلاهما يقول إنّه يخطط للقيام بذلك. وتشير الصور التي لم يتم التحقق منها، والتي نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي في الأسبوع الماضي، إلى أنَّ جسور العوامات الروسية يجري تجهيزها استعدادًا لعبور القوات السورية. بمجرد اختراق النهر؛ سيكون السباق جديًّا للسيطرة على الصحراء الشرقية. تُرى هل سيؤدي هذا السباق إلى حربٍ أوسع؟ ما يزال هذا مسألةً مفتوحة.

اسم المادة الأصليHow far could the dangerous endgame in eastern Syria go?
الكاتبليز سلاي، Liz Sly
مكان النشر وتاريخهواشنطن بوست، The Washington Post، 18/9
رابط المادةhttps://www.washingtonpost.com/news/worldviews/wp/2017/09/18/how-far-could-the-dangerous-endgame-in-eastern-syria-go/?utm_term=.60b1d19029f8
عدد الكلمات888
ترجمةأحمد عيشة

 

مقالات ذات صلة

إغلاق