ترجمات

فزغلياد: خطاب ترامب في الأمم المتحدة يدلّ على نيّاته

الصورة: Lucas Jackson/Reuters

خطاب دونالد ترامب، في الأمم المتحدة، عنى الكثير بالنسبة إليه. توجه رئيس الولايات المتحدة الأميركية في خطابه إلى العالم، الذي لا يحبّه سكانه، بل يخشونه. لكن الخطاب لم يكن كما في السابق، عندما كانت دول المعسكر الاشتراكي وقادة الدول المستَعمرة سابقًا، تدين وتشجب الإمبريالية الأميركية، فالآن يخوفون بترامب ناخبيه وقيادة الدول الأوروبية. إذًا عمّ تحدث ترامب، وكيف يمكن فهم كلامه؟

على عكس سلفه باراك أوباما الذي مُنح “جائزة نوبل للسلام”، بعد أسبوعين من إلقائه كلمته أمام الأمم المتحدة.

خلال عدة أشهر، استطاع ترامب الحصول على صورة الرئيس الخطِر الذي لا يمكن توقع تصرفاته. وبشكلٍ أدق، لم يتمكن من تبديد هذه الصورة التي رسمها له خصومه، منذ بدء فترة حملة الانتخابات الرئاسية. فالذين “شيطنوه” هم أنصار العولمة الأميركيون، ولكن في النتيجة دبّ الخوف، ليس في قلوب الناخبين الأميركيين، بل في قلوب القادة الأوربيين؛ فبالنسبة إلى الأوربيين، رغبة ترامب في التخلي عن الدور القيادي والتوجيهي للولايات المتحدة الأميركية في حلف شمال الأطلسي، كانت تعني لهم انهيار النظام العالمي السائد، وبث الفوضى التامة في إحداثيات النظام. كيف لا؛ فمع مَن في الولايات المتحدة الأميركية يمكن أن تنسق أوروبا العلاقات، إذا كان الرئيسُ يريد شيئًا، والمؤسسةُ التي يمثلها تريد شيئًا آخر؟

خلال ثمانية شهورٍ، أعاد تقييد الرئيس بإثارة قضية “العلاقات الروسية”، له بعضًا من التعقل؛ إذ إنهم وضعوا في طريقه العراقيل التي منعته من تنفيذ سياسةٍ خارجية مستقلة، كان يفترض أن يصبح محورها الرئيس -برأي ترامب- التقاربَ مع بوتين. وعلى الرغم من ذلك، يحاول ترامب اتباع سياسةٍ خارجية خاصة به، بالتركيز على الصين التي يحاول الحصول منها على تنازلاتٍ عبر اللعب بـ “الورقة الكورية”. أما بالنسبة إلى سياسته شرق الأوسطية، فيفترض أن يكون العنصر الضارب إعادة النظر بالاتفاق النووي مع إيران، الذي يقع حاليًا في مرتبةٍ وراء الأزمة الكورية. ومع ذلك، فليس هناك شك بأن ترامب يتصرف، وفق مخططٍ رسمه هو لنفسه.

فما هذا المخطط؟ في خطابه في الأمم المتحدة، تحدث ترامب بنفسه عن هذا المخطط. لدى الرئيس الأميركي تصور عما يجب أن يكون عليه النظام العالمي الجديد، وقد رسمه في كلمته. إنه نظام عالمي لا يمت إلى العولمة بصلةٍ، أي أن ترامب ما يزال صادقًا مع ذاته. قال ترامب في كلمته:

“أنا انتُخبت، ليس للاستحواذ على السلطة، بل لتسليم السلطة للشعب الأميركي. في السياسة الخارجية نجدد مبادئ السيادة الأساسية… وبصفتي رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية؛ سأضع أميركا في المرتبة الأولى دائمًا، كما أنتم، بصفتكم قادة دولكم، تضعون بلادكم في المرتبة الأولى. العالم بحاجةٍ إلى تحالف دولٍ قويةٍ ومستقلة، تستخدم سيادتها لتقدُّم العالم.. وهذا أساس التعاون والنجاح. فالدولة القوية والمستقلة تسمح بتطوير البلاد على صعيد جميع القيم: ثقافات متنوعة وأحلام مختلفة. (الدول) ليست موجودة فحسب، بل تعمل معًا يدًا بيد، على أساس الاحترام المتبادل”.

هذه ليست مجرد كلمات؛ إنها موقف ترامب المبدئي. فهو عدو العولمة، ويريد أن يعيد إلى أميركا سيادتها القومية المفقودة عمليًا. ويقترح الشيء نفسه على بقية الأمم: كونوا أقوياء، وتعالوا نتفق حول الأمن، وحول عالمٍ مزدهر لدولٍ ذات سيادة. واستناده إلى التجربة الأميركية ما بعد الحرب وإلى مشروع مارشال وترومان، ليس مبدئيًا. المهم، أن ترامب يؤكد دومًا على أن “لا بديل عن الدول القوية المستقلة”. ويتابع يشجب البيروقراطية العالمية المنفلتة: “يجب علينا -الدول القوية المستقلة- أن نعالج مشكلاتنا بأنفسنا، وهل نحن وطنيون بالقدر الكافي حقًا، لنحمي سيادتنا؟”.

يضيف ترامب: “نحن نسترشد بالنتائج، وليس بالأيديولوجيا، وسياستنا مبنية على مبادئ الواقعية، وبشكلٍ عام، نحن في أميركا، لا نتطلع إلى أن يقتدي الآخرون بنمط حياتنا. نحن نريد أن نكون مثالًا، يقارن الجميع به أنفسهم”. بالمناسبة، بمثل هذه التأكيدات تحدّث نظير العولمة باراك أوباما، وبوش الابن الذي أصبح رمزًا للتدخل. لكن ترامب يتميز منهم بأنه يَعدّ السيادة قيمةً عليا بالفعل، وبالدرجة الأولى بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية نفسها.

ولكن لِمَ لا يُصدّق الناس ترامب؟

لأن ترامب -بإعلان أهدافه- يواصل السير على الطريق الأميركية القديمة. وبالتحديد، طريق تسمية هذه الدولة أو تلك دولًا مارقة، ومحاولة جرّ المجتمع الدولي للعمل سويةً مع الولايات المتحدة الأميركية، لعزلها أو تدميرها. نعم، إن ترامب ينطلق من الرغبة في جعل الولايات المتحدة الأميركية الأقوى في العالم، وليس لإنشاء إمبراطوريةٍ عالمية عابرةٍ للأمم. ولكن هذا المبرر لا يعني شيئًا، بالنسبة إلى الدول التي تحاول بلاده سحقَها.

كان ثلث الوقت الذي استغرقه خطاب ترامب، يكاد يكون مخصصًا لمهاجمة وانتقاد كوريا الشمالية، إيران وفنزويلا، ولم ينسَ سورية وكوبا، ولم يتحدث سوى بضع كلماتٍ عن الخطر الذي يمثله “الإرهابيون والمتطرفون”، مشيرًا، بشكلٍ منفصلٍ، وعلى عجلٍ، إلى النجاحات في الحرب على “تنظيم الدولة الإسلامية”. وانتقل ترامب إلى الهجوم على “الأنظمة المجرمة” التي لا تدعم الإرهاب فحسب، بل “تهدد الأمم الأخرى، بالإضافة إلى شعوبها، بأكثر الأسلحة دمارًا التي عرفتها البشرية”. بلغت شيطنة كوريا الشمالية وإيران في هذا الخطاب مستوياتٍ غير مسبوقة، تذكر بأفضل سنوات جورج بوش الابن.

قال ترامب: “لدى الولايات المتحدة الأميركية الكثير من الصبر، والولايات المتحدة قوية، ولكن إذا اضطررنا إلى الدفاع عن أنفسنا أو الدفاع عن حلفائنا؛ فعندئذ لن يبقى لدينا من خيارٍ سوى تدمير كوريا الشمالية بالكامل. الإنسان-الصاروخ (كيم إين تشين) يقوم بمهمةٍ انتحاريةٍ، بحق نفسه ونظامه”. وأعلن: “ليس هناك أمة على سطح الأرض لا تقلق من امتلاك هذا النظام المجرم سلاحًا نوويًا وصاروخيًا”، وشكر الصين وروسيا على دعمهما فرض عقوباتٍ على بيونغ يانغ.

كانت تلك المرةَ الوحيدة التي ذكر فيها ترامب بلادنا (روسيا) في خطابه. بالطبع، إضافةً إلى مرتين ذكر ترامب روسيا، بشكلٍ غير مباشر، مرتين أيضًا: في أولاهما، وضع ترامب بكين وموسكو على قدم المساواة، عندما قال: “يجب علينا الدفاع عن مصالح بلداننا وأنفسنا من التهديدات التي تواجهها الدول من أوكرانيا إلى بحر الصين الجنوبي”. وفي المرة الثانية، قال في معرض انتقاده الرئيس الفنزويلي مادورو: إن التجربة الاشتراكية لم تنجح في أي من دول العالم، بما فيها الاتحاد السوفيتي.

بالإضافة إلى كوريا الشمالية، نالت إيران نصيبها، فهي “دولة مارقة”، و”ديكتاتورية فاسدة، تُصدّر العنف.. تصرفاتها غير بناءةٍ وتقوّض السلم”. ووصف ترامب الصفقة التي أبرمتها بلاده مع إيران بـ “المخزية”، ولكنه لم يتطرق إلى إلغائها.

أسباب شيطنة ترامب كوريا الشمالية وإيران مفهومة؛ فالمسألة الكورية تستخدم للضغط على الصين، والتهجمات على إيران لاستعادة موقع الولايات المتحدة الأميركية في العالم العربي.

يريد ترامب الحفاظ على الزعامة الأميركية في العالم على أسسٍ جديدة. ولكن ليس بصفة: الصف الطليعي في العولمة، الاعتماد على عصا القوة العسكرية، هوليوود والدولار، كدولةٍ تأخذ البشرية إلى مستقبل “العصر الذهبي” الواحد، بل بصفتها الدولة الأقوى التي تدافع عن مصالح الدول المستقلة الأُخرى، في مواجهة الخصوم الإقليميين أو المنافسين، أي ضد إيران، الصين، روسيا.

في شخصية ترامب الرجل المثالي والواقعي، الانعزالي ونصير العصا الغليظة”. هو يريد إنجاز أضخم مناورة سياسيةٍ خارجية بأقل الخسائر الظرفية، والخروج بأكبر الفوائد الاستراتيجية للولايات المتحدة الأميركية. هذه المناورة هي انتقال، من الدولة المهيمنة إلى أقوى دولةٍ قوميةٍ في العالم؛ الأمر الذي يناسب مصالح روسيا الاستراتيجية.

ما يتحدث عنه ترامب في واقع الأمر، هو “توازن القوى والمصالح، هو إصدار جديد لمعاهدة فيستفاليا(*) أو (مؤتمر فيينا لعام 1815)، الذي يعنيه فلاديمير بوتين أيضًا، عندما يتحدث عن موت “العالم أحادي القطب”. ولكن التطابق، تشابه لوحة المستقبل المرغوب فيه لا يعني أن يكون من السهل على الرئيسين الاتفاق حول “خارطة طريق”. فعزم عطالة تحرك الولايات المتحدة الأميركية كـ “كاسحة جليد العولمة، كبير إلى درجة يصبح معها من غير المفهوم، إن كان لدى ترامب “المتحرر” ما يكفي من القوة والوقت لتغيير الدفة، قبل أن تصطدم السفينة بجبل الجليد.

(*) أول نموذج لنظام العلاقات الدولية. وُضع بعد انتهاء حرب الـ 30 عامًا (1618-1648) وعقد السلام الفيستفالي. من نتائجه ظهور الدول القومية الكبرى في لأوروبا، كما أعطى الكاثوليك والبروتستانت الحقوق نفسها، وصادق على مصادرة ممتلكات الكنيسة، وضع حدًا لهيبة الإمبراطورية الرومانية المقدسة.. الاعتراف بـ “الدولة القومية” أدخل مفهوم “المصالح القومية”، و”نظام العلاقات الدولية”… (المترجم)

 

اسم المقالة الأصلية Речь Трампа в ООН показывает его замыслы
كاتب المقالة بيتر أكوبوف
مكان وتاريخ النشر صحيفة فزغلياد. 20 أيلول 2017
رابط المقالة https://vz.ru/politics/2017/9/20/887738.html

 

ترجمة سمير رمان

مقالات ذات صلة

إغلاق