أدب وفنون

إلى أين يسير العالم؟

إلى أين يسير العالم؟ سؤال يطرحه عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران، في الجزء الثالث من كتابه (مقدمات للخروج من القرن العشرين) الذي عرض فيه نظرته التركيبة إلى الأزمات القائمة في العالم، وكيفيّة حلها، حسب ما يرى، أو حسب وجهة نظره، على عكس ما يفعل علماء الاجتماع والفلاسفة، وعلماء الفيزياء في تحليل المشكلات وتبسيطها، أو بعزل الظاهرة المراد تحليلها عن غيرها من الظواهر التي تؤثر فيها وتتأثر بها. وإذ يرى موران أن مسار الحداثة الذي افتتحته النهضة الأوروبية، وعصر العلم، وعصر الأنوار، وما حفل به من تقدم وتراجع، أو تقدّم/ تراجع، في مختلف المجالات، ومن ثورات وثورات مضادة وحروب ونزاعات.. أفضى إلى أزمة شاملة ومركَّبة، وقد ينتهي بتدمير هذه “المركبة الفضائية”، الأرض، وساكنيها، إلا أنه يراهن على الممكنات المعرفية والأخلاقية، وابتكار مسار جديد يرتكز على الديمقراطية وحقوق الإنسان، والعناية بالحياة عامة والحياة الإنسانية خاصة، وتصالح الإنسان مع ذاته ومع الطبيعة، من أجل إنسانية كونية أو كوكبية، أُرسيت أساساتها ولم يبن عليها بعد.

ولد إدغار موران في باريس، في 8 تموز/ يوليو 1921، وهو فيلسوف وعالم اجتماع، يهتم بعلاقة نتائج علم البيولوجيا بالعلوم الإنسانية وانعكاساتها على تصور الإنسان لذاته ومجتمعه وموقعه داخل هذا الكون، وله رؤية بنائية في علم النفس، صاحب نظرية التعقيد واستراتيجية الفكر المركب، وأحد المنظرين للمقاربة العِبْرمنهاجية أو العابرة للمنهجيات، ويعدّ من أهم المحللين والمنظرين للفكر المعاصر وتاريخ الثقافة الأوروبية والعالمية.

انضم موران إلى المقاومة الفرنسية لمساعدة اللاجئين، في أثناء الغزو الألماني لفرنسا سنة 1940، ثم انضم إلى الحزب الشيوعي سنة1941، وقام بتأسيس مجلة (Arguments) في الفترة الممتدة بين (1954-1962)، سافر إلى أمريكا اللاتينية وقام بزيارة: البرازيل، تشيلي، بوليفيا، البيرو، المكسيك، ثم عاد إلى فرنسا.

له العديد من المؤلفات التي أسس فيها لمشروعه الفكري: (الأحمق الغبي هو من لا يفكر) وهو مؤلَّف موسوعي من 100 جزء، (السينما أو الرجل الخيالي) و(وحدة الإنسان) و(الإنسان والموت) عام 1951، (ضوضاء أورليان) 1969م، (الفكر والمستقبل: مدخل إلى الفكر المركب) عام 2004، (عنف العالم) عام 2005،  (ثقافة أوروبا وبربريتها) عام 2007، (إلى أين يسير العالم) عام 2007، (نجوم السينما) عام 2012، (هل نسير إلى الهاوية) عام 2012، (المنهج – الأفكار: مقامها، حياتها، عاداتها وتنظيمها) الجزء الرابع 2012 (المنهج؛ معرفة المعرفة: أنثروبولوجيا المعرفة) الجزء الثالث 2013.

يقف إدغار موران في هذا الكتاب الصغير في الحجم، الكبير في القيمة المعرفية، على ثغرات النظرة التبسيطية للعالم، حيث قدّم الكتاب “فرانسوا ليوني”، مبتدءًا بمقولة ليفي شتروس: “هدف علوم الإنسان ليس الكشف عن الإنسان، بل تفكيكه” التي عارضها موران، بمبدأ التركيب عوضًا من التفكيك، والتعقيد عوضًا من التبسيط، إذ جعل من الماضي والحاضر والمستقبل مركبًا تمتد أواصره، عبر هذه القنوات الثلاث بالتفاعل والتبادل والامتداد، هذه النظرة التركيبية تستدعي القارئة والقارئ للالتفات إلى الوراء، لربط أحداث الماضي بالحاضر؛ ومن ثم القدرة على استشراف المستقبل، كل حاضر جديد هو إعادة تركيز لصورة الماضي، فالنظرة الاسترجاعية تقوم دومًا باستشراف المستقبل. “يكتسب الماضي معناه انطلاقًا من النظرة البَعدية التي تمنحه معنى التاريخ. وذاك هو مصدر التبرير الدائم واللاشعوري الذي يدرج الصدف تحت غطاء الضرورات، ويحوّل اللامتوقع إلى أمر قابل للوقوع، ويقضي على الممكن الذي لم يتحقق، لصالح حتمية حصول ما حدث” (ص 13-14). أي إن الصيرورة التاريخية غير يقينية، وغير معلومة، فهي مركبة ومعقدة، فــ “كما يعرف التاريخ إبداعًا يعرف كذلك انحرافًا”، هذا الانحراف سوف يختلط بالمسار الأصلي للتاريخ، ليحدث مسارًا جديدًا يصبح بحد ذاته مسارًا أصليًا، مسارًا ليس سببيًا ولا خطيًا، وهذا ما يسميه موران الأزمة أو الاضطراب، أي الارتجاج الذي يحدث في المعرفة الإنسانية، وإعادة النظر فيها من خلال الشروط المناسبة لإنتاج هذه المعرفة.

يستشهد موران بقول أنطونيو ليغري: “الأزمة ليست نقيض التقدم، وإنما هي صورته ذاته”، فالتقدم يستوجب التقهقر الذي سينتج الإبداع المتلاشي في الثورة التقنوبيروقراطية؛ التي تلاشت معها حيوية المجتمعات في العالم ونشاطها الفكري، لقد أعطت هذه “الثورة”، بمفهوم لفظها الغبي -حسب تعبير موران- أعطت السلطات الاستبدادية الريادة في استبدادها عن بُعد، بطريقة أجهزة التنصت ومراقبة الأفراد ورصد حركاتهم، لتستمر السلطات في إدارتها المتوحشة، فالثورة ضد محارق اليهود في الزمن النازي ليست تقدمًا حققه الألمان. إن ما يلزم هذه الثورة هو ثورة مضادة، وإدراك فكري جديد “براديغم”، يعتمد على قلب المفاهيم التبسيطية ودحض الاختزال؛ كي يحدث التحول الأهم في التصور العلمي الذي هو مرجع ضروري للمعرفة العلمية الحديثة أو المعاصرة، التي تتناول الظواهر اللاخطية.

نظرة موران، في التركيب والتعقيد، تحث العالم على السير نحو رؤية جديدة للتعاطي مع الواقع ومعطياته المعرفية. ولا يفصل موران بين أزمة الثقافة وأزمة الحرب: “إن أزمة الثقافة كأزمة الحرب، تدفعنا إلى تحوّل عميق في العلاقة بين فرد وفرد، وبين الفرد والمجتمع، وبين المجتمع والإنسانية”. لم يعد الأمر يدور حول تحقيق التطور، بل حول الثورة داخل هذا التطور الذي تهيمن عليه التقنية-البيروقراطية، وعلى هذه الثورة أن تكون حرة ومستقلة من قيود العصر الكوكبي الحديدي الذي قد يؤدي إلى فناء الإنسان: “إن التغيير هو الذي يجب أن يتغير”. يقول موران: “إن التقدم التقني يسمح في الآن الواحد بظهور الإنسانية الكوكبية، ويسمح في احتمال فنائها النهائي”.

فالحياة في هذا العالم هي مجموعة حيوات، حياة الفرد، حياة المجتمع، حياة الإنسانية جمعاء، فلا ينمو التطور والتقدم في فناء حياة الماضي كي نعيش الحاضر، إنما يجب أن يحافظ هذا العالم على هذا التركيب، وفق منطق بذر التحاب والإخاء، أي بذر الحب في كل عمل تقوم به البشرية من دون مقابل، وبذر الحب الذي يغيّر شكل الإنسان في الارتقاء إلى الإنسانية، يجب الحفاظ على الماضي ليحيا الحاضر ويعطي المستقبل حياة جديدة.

البُعد الإبستمولوجي عند “موران”، هو إعادة النظر في الإبستمولوجيا الكلاسيكية التي تحكمها قوانين الاختزال والتبسيط، هذا إن لم نقل اليقين، كالقوانين الفيزيائية والرياضية، منذ نيوتن وكوبرنيك وغاليليو وغيرهم، والعبور في مرحلة التركيب والتعقيد واللايقين، المرحلة السببية الدائرية (اللاخطية)، مرحلة التفاعل والتبادل والتأثير والتأثر، عوضًا عن السببية الخطية ذات الاتجاه الواحد، (أي من السبب إلى النتيجة).

مجمل القول في كتاب إدغار موران (إلى أين يسير العالم): إن العلاقات الاجتماعية هي منظومات لا نهائية، كلما ارتقت تلك المنظومات؛ ازداد العالم تعقيدًا، ففي تبسيطها واختزالها، اختزال للحداثة. على هذا العالم أن يعيد النظر في تفكيره التبسيطي، وأن يركب فكرًا بديلًا، وأن يكف عن الركون إلى اليقين، وأن يودع الحتميات والحقائق الثابتة؛ لأن اللايقين سوف يظل معنا في المستقبل، وإلا؛ فسوف يسير هذا العالم إلى الهاوية.

هذا الفكر التركيبي العابر للمناهج، والذي لا ينضبط في نموذج، قضى موران حياته في التفكير فيه والإعداد له.

مقالات ذات صلة

إغلاق