مقالات الرأي

وصار لابن العلقمي مؤيدون

يرى العالم أجمع توقيت استفتاء استقلال إقليم كردستان خاطئًا، ولا يشذ عن هذا الإجماع إلا اثنان: “إسرائيل”، وبعض المثقفين العرب. ولنبدأ بالمثقفين، وهم نوعان: الأول قد ملَّ موقعه كنصير في حزب المثقفين، ووجد في الاستفتاء الكردي فرصة سانحة للترقي إلى مرتبة عضو عامل، عبر تطبيقه لوصايا قرأها في “شذرة فيسبوكية”، كتبها أحد الأعضاء العاملين في “حزب الثقافة” حول غرامشي ومثقفه العضوي وضرورة الالتزام بالقضايا العامة والدفاع عن المظلومين، وكانت الشذرة تحت عنوان “كيف تصبح مثقفًا عضويًا بثلاثة بوستات فقط”، الثاني وهم البعض من كبار المثقفين ممن نالوا “بالقدم” عضوية المكتب السياسي لحزب “المثقفين”، وحازوا رتبة “الإنتلجنسيا” التي تحولت -في عالمنا العربي- إلى رتبة عسكرية تعمل في الحقل الثقافي. موقف هؤلاء المؤيد للاستفتاء وتوقيته عائد إلى متلازمة الانفصال عن الواقع، المرافقة لهذه الرتبة الثقافية بين المفاهيم الفلسفية الحالمة الموجودة في الكتب والوقائع السياسية على الأرض من ناحية، وبين تبني موقف ما بعد الحداثة المعادي للدولة الوطنية والداعم لحقوق الأقليات، ومحاولة تطبيقه في مجتمعات زراعية لمّا ترتقِ بعد إلى مرحلة المجتمع الصناعي، من ناحية أخرى.

على أي حال؛ فالنوعان يقدمان مقاربة رومانسية تبسيطية للحدث، تعترف بحق الشعوب المظلومة في تقرير مصيرها، مبنية بالأصل على ما ساقه مسعود برزاني من حجج لتبرير اختيار توقيت استفتائه. نعم هو استفتاؤه، وليس استفتاء الأكراد، وهو يحاول الهروب إلى الأمام، عبر تصدير أزمته الداخلية إلى المحيط الإقليمي، حيث يعيش البرزاني -على المستوى السياسي- أزمةً داخلية في التحول إلى دكتاتور، مع وجود أحزاب كردية معارضة وذات وزن (حركة التغيير والاتحاد الوطني الكردستاني)، أدت إلى انقلاب البرزاني على الشرعية، وتمديده ولايته المنتهية منذ 2015، وطرد رئيس البرلمان المنتمي إلى حركة التغيير ووزرائها في الحكومة، ومنعهم من دخول أربيل؛ الأمر الذي عطل برلمان الإقليم والمؤسسات القانونية المنبثقة عنه، أما على المستوى الاقتصادي، فيواجه الإقليم أزمة اقتصادية خانقة منذ العام 2014، بعد ظهور تنظيم الدولة، وانخفاض أسعار النفط، وقيام بغداد بفرض إجراءات عقابية على الإقليم نتيجة بناء الأخير خط أنابيب؛ لتصدير النفط إلى تركيا بغية تحقيق الاستقلال الاقتصادي، حيث رفضت بغداد دفع 17 بالمئة من عائدات النفط لإقليم كردستان، وقلصت حصة الإقليم من الميزانية، إضافة إلى الفساد المستشري في الإقليم والهدر في الميزانية العامة، حيث تشكل النفقات التشغيلية 75 بالمئة منها؛ ما أدى إلى تراكم ديون الإقليم التي بلغت 22 مليار دولار، وعجز حكومته عن الانتظام في دفع رواتب موظفيها الذين يتجاوز عددهم 1.4 مليون موظف، بإجمالي رواتب شهرية قدرها نحو 760 مليون دولار، كما تم تقليص الرواتب بنسبة تراوح بين 15 بالمئة – 25 بالمئة، وخفض نسبة 75 بالمئة من رواتب الدرجات الخاصة، تلك الظروف دفعت موظفي الإقليم إلى الاعتصام في شباط/ فبراير 2016، بعد انقطاع الرواتب مدة أربعة أشهر، في مؤشر خطر بالنسبة إلى البرزاني، إذ يمكن أن تتفاعل الأزمتان الاقتصادية والسياسية؛ لتنتج ثورة تطيح به، خصوصًا بعد قرب نهاية صلاحية فزاعة تنظيم الدولة التي ترعب مواطني الإقليم، فما كان من البرزاني إلى أن حوّل أزماته إلى فرصة لتكريس زعامته المطلقة لأكراد العالم، عبر اللعب على مشاعرهم ودغدغة أحلامهم بدولة قومية.

أما عن روايته حول فشل الشراكة مع حكومة بغداد كدافع للاستفتاء؛ فلا تعدو كونها ابتذالًا ومحاولة للتنصل من المسؤولية عن الكارثة العراقية، فالحكم في العراق قائم على تحالف شيعي-كردي، منذ الغزو الأميركي للعراق، وتم تكريس التحالف بالوثيقة الموقعة بين الحزبين الشيعيين الرئيسيين (ائتلاف دولة القانون والمجلس الأعلى الإسلامي)، والحزبين الكرديين الرئيسيين في إقليم الشمال (الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني)، في تشرين الأول/ أكتوبر 2007، وقد تضمنت تلك الوثيقة جملةَ نقاط، يتعهد الجميع بالالتزام بها، أبرزها المشاركة الحقيقية في السلطة، وتجنب سياسة الإقصاء والإبعاد، فكلا الطرفين يده ملطخة بدم العراق ونفطه، وكلاهما شريك في التآمر على باقي المكونات العراقية، وعلى رأسها العرب السنة، أما الخلاف بينهما فهو خلاف على اقتسام الغنيمة، وفي الحديث عن تلكؤ بغداد منذ 2007 بتطبيق المادة 140 من الدستور العراقي، والمتعلقة بالمناطق المتنازع عليها، فالسؤال هنا: هل طبق إقليم كردستان النصوص الدستورية الفدرالية الخاصة بالصلاحيات والاتفاقات المتعلقة بحصص النفط مع بغداد، أم أنه يعيش كدولة مستقلة بمواردها وعلاقاتها الخارجية وجيشها وتحالفاتها؟ وعن المظلومية التاريخية الكردية التي يُدعِّم المثقفون العرب حججهم بها، لتأييد الاستفتاء؛ فأعتقد أن الأكراد أنفسهم باتوا يخجلون من الحديث عن مظلومية، وهم يشهدون حجم الدمار والقتل والتشريد الذي حلَّ بالعراقيين، منذ الغزو الأميركي وصولًا إلى حرب الإرهاب، والتي كان الأكراد بمنأى عن جحيمها ودمارها، لذا يجب تحييد عامل المظلومية التاريخية في معادلة الاستفتاء، وفحص التوقيت الذي يعيش فيه العرب في العراق وسورية أسوأ أحوالهم، بشكل دفع البرزاني في العراق وصالح مسلم في سورية إلى استغلال الظرف التاريخي، كما يسمونه، لرفع سقف المطالب والتنصل من أي رابط وطني، شدت عراه لمئات السنين بين الأكراد والعرب في البلدين، فتبرير تأييد استفتاء البرزاني بالمظلومية الكردية أشبه بميل بعض المؤرخين لتبرير خيانة ابن العلقمي وزير المستعصم الشيعي، بناءً على مجزرة الكرخ  654هـ، حيث أرسل المستعصم ولده الأكبر (أبو بكر) ليقضي على فتنة، وقعت بين السنة والشيعة في محلة الكرخ؛ فأحرقها وأحرق مشهد الإمام موسى بن جعفر الكاظم؛ الأمر الذي عدّه البعض مظلومية شيعية تُبرر الخيانة. وأستعجب لهذا المنطق الساذج الذي يساوي حرق حي بتدمير أمة وتأخير تقدمها، كما حدث بعد دخول هولاكو لبغداد بمعونة ابن العلقمي، وهو ذاته ما يفعله المدافعون العرب عن استفتاء ابن العلقمي الجديد الذي ساهم في دخول هولاكو الأميركي إلى العراق عام 2003، بدعوى المظلومية، فأورد العراق والمنطقة التهلكة إلى اليوم، وها هو يُعيد الكرّة ثانية في محاولته للخروج من مأزقه الشخصي، بدفع المنطقة إلى حرب قومية؛ سيدفع الأكراد البسطاء كُلفها، في حين سيلعب هو دور البطل، ومن هنا يمكن تفسير موقف “إسرائيل” المتناغم مع موقف بعض المثقفين العرب، حول دعم استفتاء البرزاني، والنابع من حقد إسرائيلي دفين على العراق الذي أوجع “إسرائيل” في الحروب العربية معها، بالرغم من أنه ليس من دول الطوق، ومن سعي “إسرائيل”، مع قرب انتهاء حرب الإرهاب، لإشعال فتيل حرب قومية في المنطقة تُشغِل منافسيها تركيا وإيران، وتستكمل تدمير ما تبقى من سورية والعراق؛ ليبقى المشروع الإسرائيلي بمنأى عن أي مهدد أو منافس، خصوصًا بعد الرفاه الذي حققته باكتشاف احتياطي ضخم من الغاز، قبالة سواحلها، إذًا فالقضية -بالنسبة إلى ابن العلقمي المعاصر ومؤيديه- لا تخرج عن نطاق المصالح الشخصية التي ستضع الأكراد أمام احتمال مواجهة شاملة مع دول المنطقة وشعوبها. وإن تم تصعيدها عسكريًا؛ فستكون نتائجها كارثية على الجميع، وإن تم تسويتها على مستوى القادة؛ فستترك جرحًا غائرًا وشعورًا بعدم الثقة تجاه الأكراد لعشرات السنين، أما بالنسبة إلى مثقفي البرزاني من العرب، فالحذر الحذر من خطأ، لا يُعذر صاحبه بالجهل، وكفاكم فخرًا أنكم و”إسرائيل” في خندقٍ واحد!

مقالات ذات صلة

إغلاق